«أنا انسان عاش التشرد وأكل القمامة، فهل ينتظرون مني أن أكتب عن الفراشات»، بهذه الكلمات رد محمد شكري على من انتقدوا موضوعات كتاباته. فأدب شكري موغل في الواقعية والجرأة، بلغة قاسية وحادة. يمسك القلم كأنه مطرقة، ويكسر بها كل شيء ماثل أمامه، ليكشف عوالم الليل والفقر والتشرد. شكري يكتب وكأنه ينتقم من أحدهم، ربما من الفقر والحرمان اللذين عاشهما، أو من المجتمع الذي لم يكن رحيمًا به أو من أبيه المتسلط، أو ربما من كل ذلك.

كاتب وكفى!

الكتابة بالنسبة لشكري ليست نزهة، بل مسيرة احتجاج. كانت خطوة شكري الأولى في مسيرته الاحتجاجية الطويلة، تعلمه للقراءة والكتابة ولو بعد بلوغه سن العشرين. فكتب بعدها بسنين قصيرة روايته الأولى «الخبز الحافي»، ثم «زمن الأخطاء» و«وجوه»، وهما الجزآن الثاني والثالث من سيرته الذاتية. ثم نشر لاحقًا «مجنون الورد»، و«السوق الداخلي»، وتتخلل هذه الروايات نصوص شعرية، يكتب فيها شكري بكل شاعرية وإحساس وكأنه يحاول أن يحقق بها التوازن مع لغته السردية العنيفة. ورغم نشره العديد من الكتابات الروائية والشعرية والمسرحية إلا أن شكري يرفض دائمًا أن يطلق عليه اسم الروائي أو الشاعر، ويقول أنا لست لا روائيًا ولا شاعرًا، أنا كاتب وكفى.

رجل الخبز الحافي

يعتبر شكري كتابه الأشهر «الخبز الحافي»، أنه كتاب كتبه لنفسه أولًا، فهو يرى أن هذه الرواية تمثل له علاجًا نفسيًا ومعنويًا، وبها استعاد توازنه النفسي. بلغة واقعية وعارية وباحتقان وتمرد فتى مراهق، حكى عن طفولته ومراهقته. وكتب عن الويلات التي عاشها، عن المجاعة والقسوة وحياة الصعلكة والهامش التي واجهها في المدينة الوحش طنجة. كتب بجرأة ومرارة عن اعتداءات أبيه عليه وعلى أمه، وعن الصعوبات التي واجهها بعد انتقاله إلى طنجة وهو القادم من جبال الريف ولا يتحدث سوى الأمازيغية. فنقل لنا حوارات المومسات في البورديلات والمتشردين في الشوارع، ووصف علاقته الجنسية الأولى مع جذع شجرة، بلا حواجز ولا لغة منمقة ولا كلمات مختارة. هذا ما جعل الكتاب يحدث ضجة كبيرة أكسبته كل هذه الشهرة والصيت ما جعله عند إصداره بالعربية يمنع في المغرب وفي بلدان أخرى فترةً طويلة، كما كانت هذه الرواية علامة فارقة في المشهد الأدبي العربي، بل هناك من يقارنها باعترافات القديس أوغسطين واعترافات جون جاك روسو. هذا إذن ما جعل شكري يختزل في الخبز الحافي، فرغم تعدد إصداراته إلا أن اسمه ظل مقترنًا بها، وهو الأمر الذي كان يزعجه وقال إن رواية الخبز الحافي «سحقته»، ويضيف: «أصبحت شهرتي بهذا الكتاب تزعجني. هناك كتّاب مثلي سحقتهم شهرة كتاب واحد، مع أنهم كتبوا كتابات أخرى، مثل فلوبير الذي سحقته «مدام بوفاري» وسيرفانتس الذي لا يُعرف إلا بـدون كيخوت».

صدامات

حياة شكري كانت كلها صدامات، فمنذ صرخته الأولى كان في صدام مع الحياة. صدامه الأول كان عندما وجد نفسه بأسرة فقيرة لا تملك أي شيء سوى العنف والقمع الأبوي. أما الثاني ففي مراهقته، ضد أقرانه من المتشردين والمتسولين في البحث عن دراهم وكسرة خبز. أما صدامه الأخير والأكبر فكان ضد نفسه، ضد إدمان الشراب والحشيش والسهر، فكان شكري مولعًا بحياة الليل، وعاش متنقلًا بين حانات طنجة، وبين أحضان مومساتها، كما سرد لنا تفاصيل ليالي طنجة في رواية زمن الأخطاء. هكذا إذن لم يتزوج شكري أبدًا، وفي حوار له عندما سئل عن السبب أجاب: «أخشى أن أرزق بأولاد وأعاملهم بنفس القسوة التي عاملني بها أبي، إني لست واثقًا من سلوكي تجاه أطفالي إذا كانوا من صلبي. أنا أخشى من الأبوة، عندي تخوف لا شعوري من الأبوة».

الشحرور الأبيض وطنجة

هكذا إذن عاش الشحرور الأبيض بوهيميته وحده في عشيقته الأولى والأخيرة طنجة. المدينة التي ارتبط بها وجدانيًا وعاطفيًا، والتي لم يكن إقباله على نسائها إلا إقبالًا على حبها، حيث لم يستطع العيش بعيدًا عنها، فأدمن بالإضافة إلى خمرها هواءها وتناقضاتها. كانت طنجة ملهمة شكري، وآسرته التي شكلت بشكل كبير خياله الإبداعي، فالميناء والسوق الداخلي، ومقاهي طنجة وباراتها، كلها شكلت عناصر مكانية مميزة في أعمال شكري بعلاقته بمدينته التي كان يخرج منها ويعود، فكان لا يطيق العيش بعيدًا عنها كما يقول. فما خرج منها إلا مكرهًا في سنة 2002 عندما نقل إلى المستشفى العسكري بالرباط، وهناك رقد إلى أن توفي في الـ15 من شهر نوفمبر. رحل رجل الخبز الحافي إلا أن أعماله لا تزال حية، في المكتبات والأكشاك وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتمًا طريقها، لا يهم ما ستؤول إليه، المهم أن تشعل عاطفة أو حزنًا أو نزوة غافية.

هذا ما قاله شكري ذات يوم، والواضح والجلي أن كلماته حتمًا عرفت طريقها إلينا، وأشعلت فينا عواطف ونزوات وأحزانًا، فغادرنا أمير الصعاليك بهيبة الملوك، كما قال الكاتب عبد الرحمن منيف في رثائه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات