غادر الرئيس الأمريكي دولاند ترامب المنطقة حاملًا معه المال العربي، وترك خلفه ملفات ساخنة أثقلتها الأحداث من ذي قبل، وتفاقمت وتيرة حدتها وسخونتها، بعد مخرجات وكلمات القمة والتي ركزت على محاربة ما يسمى الإرهاب وفق المقياس الأمريكي، والتي استهدفت إيران بالدرجة الأولى، وأشارت كذلك لتصنيف بعض الجماعات المتشددة بالإرهاب كتنظيم داعش والأخطر من ذلك ذكره حماس باعتبارها منظمة إرهابية وربطها بداعش، بل أكثر من ذلك كان هذا على مسمع وحضور كافة الدول العربية والإسلامية مجتمعة دون تحريك ساكن.

لذلك في هذا المقال سنحاول الوقوف على مخرجات القمة والمرحلة المقبلة والمتغيرات التي ستشهدها المنطقة بعد هذه الزيارة.

أولًا: المشهد السعودي

ربما أربكت المملكة الحسابات لدى جميع الأطرف العربية والإسلامية، في عملية التعاطي مع الولايات المتحدة الأمريكية، لما لها من حضور بارز في العالم ومدى قدرتها على حسم الملفات ومعالجة القضايا وتعزيز بناء القوة والترابط بين مكونات دول المنطقة.

إلا أن الأمر اختلف هذه المرة، فقد تغيرت الحسابات، واحتدم الخلاف وازدادت الفجوة، وتعززت الانقسامات، فلقد أبدت المملكة عداءها لبعض الدول أهمها إيران، وقد وجهت الأمة للتركيز على إيران بوصفها عدو الأمة الأول دون ذكر إسرائيل، والأهم من ذلك إقلاع طائرة ترامب من مطار الرياض إلى مطار اللد، وهي سابقة جديدة باعتبارها إشارة تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي هذا الإطار سنتحدث عن السيناريوهات المتوقعة تجاه المملكة لما بعد الزيارة وهي كالتالي

1- انقسام الموقف الخليجي بين مؤيد ومعارض، لما دشنته المملكة مع أمريكا. وقد توجه الغضب الخليجي في هذه الفترة على دولة قطر وهو ما ستزداد وتيرته في المرحلة المقبلة، وسيكون له تداعيات من شأنها تعزيز الفجوة.

2- ازدياد مساحات الاختلاف بين المملكة وإيران، وتعزيز الحشد الطائفي ضمن المربعات التي تعمل فيها كل من البلدين، فالاحتدام يزداد يومًا بعد يوم.

3- إن الفقر المدقع والأمراض المنتشرة في بعض الدول التي تحيط بالمملكة، سيهدد أمن المملكة واستقرارها تباعًا نتيجة التهديد الذي سيحل بتلك الدول.

4- تراجع الحضور السعودي في العالم العربي والإسلامي، وهو أمر ربما لم تطفُ ملامحه على السطح بشكل كبير، إلا أنه وعبر بعض الممارسات والأيام سيتضح بشكل أكبر.

وهنا: نذكر موقف الرئيس الإندونيسي في زيارة الملك سليمان الأخيرة الشرق آسيوية، انتقد وبشدة حجم الدعم الذي قدمه للصين والبالغ 61 مليار دولار لها، بينما دعم إندونيسيا بــ 10 مليار فقط، وهو ما أثار حفيظة الرئيس الإندونيسي، والذي قال في تصريح مقتضب أنني حملت له المظلة على رأسه ويتعامل بهذه الطريقة.

المشهد الإيراني والاستدراك

مما لا شك فيه أن إيران تمثل خطرًا حقيقيًّا على المملكة العربية السعودية، ضمن قراءة الواقع والسلوك السياسي والأمني والميداني لإيران دليل على ذلك، لذلك فإن هناك خيارات ومساحات ما زالت مفتوحة أمام المملكة والتي من شأنها معالجة القضايا بينهما، أو ما كان يمكن فعله بديلًا عن التوجهات للولايات المتحدة وهي على النحو الآتي:

1- تعزيز الجبهات الجيبوليتيكية حول إيران ومحاصرة نفوذها في جوارها الجغرافي، والذي يشكل جدار احتماء متوازن للمملكة، ويتعزز ذلك من خلال الجبهة الشرقية لإيران باكستان وأفغانستان، وأعتقد أن ما تحتاجه تلك الدولتان لوجستيًا وماليًا لا يتجاوز الــ 20 مليار دولار أمريكي.

2- (الأداة الدبلوماسية)، من خلال الاستعانة بأصدقاء المملكة والذين لديهم حضور ومصالح مع إيران، في إطار معالجة القضايا العالقة بين البلدين، تحت قاعدة حسن الجوار وتغلييب المصالح الإقليمية، وتغليب الوعي السياسي وتجنيب الإقليم المخاطرة المحيطة به.

3- ضمن «الأداة الدبلوماسية» فإن ما سبق يندرج على رؤية شاملة، تضمن معالجة الهيمنة الإيرانية على الملفات التي تتحكم بها عربيًا (اليمن- سوريا –العراق- لبنان)، وهي التي تتشارك الحدود مع المملكة وتشكل تهديدًا لها.

4- الحضور السعودي الفاعل في مناطق التهديد التي تحيط بها وهي سوريا والعراق واليمن، بسياسة أكثر فاعلية وأكثر داعمية، فهذان الملفان بالذات تعرضا لتهميش سعودي وخليجي كبير (سوريا، العراق).

5- تركيا وقطر دولتان هامتان في الإقليم وأكثر ما يعول عليهما، ولديهما علاقات حسنة مع إيران، ويمكن الاستعانة بهما باعتبارهما دولًا صديقة، للعب دور الوسيط بناءً على الطرح السابق.

وهناك حقائق يجب إدراكها إقليميًا بوصفها منطلقات للوقوف عليها ألا وهي

1- إيران دولة جوار جغرافي، وكذلك دولة محورية، ولا يمكن إنهاؤها أو إضعافها، فالبعد الأيديولوجي، يتربع على عرشها.

2- وضع الحلول السلمية والدبلوماسية على الطاولة.

3- «الصراع الطائفي» يعتبر صراعًا دمويًا، لا يجني سوي الدمار والخراب ونتائجه صفرية، وسيتنهي بعد ملايين القتلي، إلى الحلول السلمية، والتي ستنتهي بإتفاق يعيد الأمور إلى نفس المربع الحالي.

«في هذا الإطار فقد أخطأت المملكة في قراءتها للمشهد الإقليمي والداخلي، في الحفاظ على وحدتها الداخلية بتعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية بهذا الشكل من الارتماء، على حساب التضحية بملفات هامة في الإقليم».

المشهد الفلسطيني و(مشروع التصفية)

وهنا وفي إطار المعطيات السابقة مجتمعة، فإن واقع القضية الفلسطينية مرتبط ارتباطًا عضويًا بالتوجهات الإقليمية الجديدة نظرًا لرؤية الولايات المتحدة المنحازة لإسرائيل، وضمن التشارك في المصالح السعودية الأمريكية، وفي إطار توجه المملكة في تعزيز مكانتها الإقليمية، وضمن الانطلاق على قاعدة «المبادرة العربية للسلام»، فإن الزيارة لها تداعيتها على المشهد الفلسطيني.

1- محاولة دمج (إسرائيل) في المنطقة، ضمن الرؤية السابقة (لشمعون بيرس)، فيما يعرف بمشروع «الشرق الأوسط الكبير والجديد»، وكانت أولى خطواته العملية إقلاع طائرة الرئيس الأمريكي من مطار الرياض مباشرة إلى مطار اللد في الأراضي المحتلة، وهذا بطبيعته سيؤثر على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما يتم حصره حاليًا في زاوية دولة فلسطينية على المقاس الأمريكي، وفق قواعد ومنطلقات الخطاب السياسي لترامب في القمة وفي إسرائيل، والذي لم يذكر فيه حتى مشروع حل الدولتين.

2- تتهيأ المنطقة لحلف شرق أوسطي جديد، وسيتم الانضمام إليه في عام 2018، وفي إطار تسميته بهذا الاسم دون ذكره عربيًا أو إسلاميًا، فهي إشارة إلى إمكانية انضمام إسرائيل إليه.

3- في إطار توجيه العداء لإيران باعتبارها عدو الأمة الأول، وفي إطار التحفظ على ذكر إسرائيل بجمعها مع إيران في العداء، وفي نفس الوقت التي تذكر فيه حماس بالإرهاب، فإن هذا له تداعيات خطيرة على مستقبل القضية، وهو ما سيثير ردة فعل فصائل المقاومة الفلسطينية، إلى البحث عن الوسائل والسبل التي ستحافظ فيها على ثوابت القضية وعدم المساس بها.

المشهد المصري

لقد تجرع النظام المصري مرارة ما حصل أمام ناظريه، من حالة التهميش التي لحقت به، في أثناء القمة، (والسلوك السعودي العام) فلقد قُدمت كلمت الأردن على كلمة مصر في القمة، ولقد تبنى الإعلام السعودي قبيل وأثناء القمة مصطلح ًاجديدًا ألا وهو أن المملكة مركز القرار العربي، وهي قدح بالدور والحضور المصري في الإقليم، وهذا الأمر له تداعيته على السلوك المصري تجاه السعودية ولن يقف عند هذا الحد إنما ستكون هناك فجوة وحالة توتر وإن كانت غير ظاهرة للرأي العام، إنما ستظهر لاحقًا.

وهنا لا بد من كلمة.. يمكن القول أن بعض السلوك السياسي والميداني المصري في المرحلة الحالية، ينبع من استقلالية القرار المصري وفق المساحات الحرة والهامشية المسموحة له، باعتبارها رسالة أنني موجود ولن أسمح لأحد بتجاوزي عبر بوابة المال.

المشهد التركي والقطري

لقد استهلك الحديث سياسيًا وإعلاميًا في هذا الاتجاه وتبعاته، إلا أنه يمكن القول تبقى قطر وتركيا صمام أمان، ويمكن البناء عليهما في معالجة قضايا الإقليم، لما تتمتعان به من سياسة خارجية مرنة وبراغماتية، وكذلك الحرص والحفاظ والاهتمام بالمنطقة ومآلاتها. بالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي والحضور الذي تتمتع به تلك الدولتان.

إلى هنا.. تبقى المتغيرات والحرج السياسي واللااستقرار سيد الموقف في المنطقة العربية، وتبقى الأمور تتجه إلى ظهور أحلاف وتكتلات جديدة، بحيث سنجد هناك دولة غير صديقة أصبحت أحلاف على قاعة المصالح، وسيتعزز الدور الروسي في المنطقة وستطول مدة وأمد الصراعات في المنطقة، ولن تستطيع السعودية تدشين علاقاتها مع روسيا وأحلافها ما دامت الأمور تتجه في الوقت الراهن في هذا المسار.

لكن يبقى هناك أمل في إعادة ترتيب المنطقة، إن أدخلت متغيرات هامة في المشهد الأمريكي، وأثرت على الإدراك السعودي، في تدارك القراءة الخاطئة، وحاولة معالجة الملفات، وهذا يحتاج أيضًا إلى وقت لإدراكه.

ومن هذا المنبر.. أدعو الكتاب والباحثين والمفكرين من خلال الحواضن البحثية والفكرية (المراكز والمؤسسات والهيئات والدول) بالوقوف عند مسؤوليتها، وإطلاق (مؤتمر سياسي علمي استراتيجي) فاعل ودقيق وموسع يتناول كل المعطيات ويجمع كل المتناقضات العربية وغير العربية، في المنطقة دون (إسرائيل)، تكون لتركيا وقطر النصيب الأكبر منه، للوقوف على مآلات الأحداث والمتغيرات في المنطقة وتحديد الأعداء الحقيقيين للأمة، والخروج بحلول من شأنها الحد من الصراعات على طريق إنهائها، عبر الوسائل الدبلوماسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد