علم النفس الإيجابي له حكاية ورواية، وله ظروف وملابسات، فقبل أن نتعرف على مفهوم علم النفس الإيجابي وأهميته وأهدافه وأفكاره ومبادئه نتعرف على حكايته.

 

حكاية علم النفس الإيجابي:

رغم الجذور الأولى لعلم النفس الإيجابي التي غُرست في المدرسة الإنسانية وحركة التفكير الإيجابي والعلاج المعرفي إلا أن “مارتن سليجمان” يذكر موقفًا مع ابنته “نيكي”Nikki الذي كان محركا قويّا له في التوجه والإعلان عن علم النفس الإيجابي كمجال بحثي وتطبيقي جديد، حيث كان كعادته في الحديقة يهذبها ويحاول أن ينتهي من العمل بسرعة بينما ابنته “نيكي” التي قاربت الخمس سنوات ترمي بالعشب في الهواء وترقص فرحة سعيدة بترقبها سقوطه على الأرض ثانية، يقول “سليجمان” وبما أنها كانت تشتتني فصحت في وجهها متجهما، مما أدى إلى تركها المكان، ثم عادت ثانية، وقالت: أبي أود التحدث إليك؟ فقلت: نعم؟

فقالت: أبي هل تتذكر مرحلة ما قبل عيد ميلادي الخامس، الوقت الذي كنت فيه بين الثالثة إلى الخامسة من العمر، كنت دائما لا أتوقف عن الأنين والعويل، وكنت أصرخ وأئن كل يوم، وعندما وصلت إلى سن الخامسة قررت أن أتوقف كلية عن العويل والأنين. عليك أيضا أن توقف نوبة غضبك هذه! فقد تعلمت شيئا ما من ابنتي “نيكي” عن تربية الأطفال، شيئا عن نفسي، وشيئًا رائعًا جدًّا عن مهنتي.

والدرس الذي تعلمته أدركت أن تربية ابنتي ليست فقط تصحيح نحيبها أو الصخب الذي تحدثه، فقد تمكنت ابنتي من ذلك بنفسها، أدركت كذلك أن تربية ابنتي تكمن في تعليمها هذه المهارة الرائعة، مهارة ضبط الذات وتعهد قدراتها وإمكانياتها بالرعاية ومساعدتها على تشكيل حياتها بما يمكنها من مواجهة مواطن ضعفها ومجابهة عواصف الحياة.

ويضاف إلى ما سبق أن علم النفس نشأ وتطورت نظرياته ونضج بين أحضان الأطباء مثل سيجموند فرويد (1856- 1939) وبافلوف (1849 – 1936) وكارل يونج (1875-1961) وطبيعة الموضوعات التي يدرسها الطب هي الأمراض ويركز على علاج الجوانب السلبية ولأن الناس تذهب إلى الأطباء عند مرضهم فقصروا تصوراتهم ونظرياتهم وأبحاثهم على معالجة الحالات السلبية (قلق واكتئاب وحزن وغضب…) ومنهحهم هو التخلص من الألم وتخفيفه دون الاهتمام بتنمية جوانب القوة كأسلوب وقاية وعلاج”. (جبر محمد، 2013 : 21) وهذا ما سيضيفه علم النفس الإيجابي.

واستكمالا لحكاية علم النفس الإيجابي فمن المهم الإشارة إلى أنه قبل الحرب العالمية الثانية كان لعلم النفس ثلاث مهام أساسية متكاملة كالآتي:

  • علاج المرض والاضطراب النفسي.
  • جعل حياة الناس أكثر إنجازًا وأكثر سعادةً.
  • اكتشاف الموهبة ورعايتها وتنميتها.

إذن فعلم النفس كان يهدف للوقاية والعلاج وتنمية القدرات وتحسين جودة الحياة، ودراسة السلوك السوي وغير السوي، والتعامل مع جوانب الضعف وجوانب القوة. فما الذي حدث بعد الحرب العالمية الثانية؟

خلفت الحرب حالات كثيرة من المرضى النفسيين وأصحاب الاضطرابات النفسية مما أدى إلى تأسيس هيئة المحاربين القدامى 1946م وشارك علماء النفس والمختصون في علاج المرض النفسي فكانت لهم فرص مهنية متميزة ومجال واسع ليمارسوا عملهم، وقد صار محل احتياج شديد وتقدير مادي وأدبي.

فالحاجة الاجتماعية الملحة والطارئة أدت إلى تعديل وتغيير في أهداف علم النفس وتركيزها في هدف واحد “علاج المرض النفسي”، وتركيز الجهود وتوجيهها لذلك الهدف، فتحول الباحثون في علم النفس إلى مجال المرض النفسي، ومن أراد أن ينجح ويشعر بالإنجاز محل التقدير فعليه أن يركز جهوده حول علاج الأمراض والمشكلات النفسية.

فهناك خطأ جوهري في هذا التحول -بعد الحرب العالمية الثانية- يتمثل في تصور مفهوم العلاج بأنه فقط إصلاح المرض ومداواة الاضطراب وتصحيح الخطأ. فهل العلاج هو مجرد إصلاح ما هو خطأ أم أيضا تعظيم ما هو صواب؟

وهل العلاج يبدأ من حدوث المرض والاضطراب أم الوقاية للأصحاء من الوقوع في المرض؟ وهل العلاج يُعنى بالمرضى أم لا بد أن يُعنى أولا بالأصحاء كي يغلق الباب الأوسع الذي يأتي منه المرض، وهو باب الأصحاء الأسوياء المهملين والمعرضين للاضطراب في أي وقت؟

إن جزءا كبيرا من العلاج يتمثل في الوقاية الإيجابية، فبدلا من علاج ألف من المرضى، إن تمت الوقاية فسيكون الألف مائة، ويسهل علاجهم ومتابعتهم، وقبل لملمة ما يقع من حقيبة بها ثقب فلا بد أولا من الاهتمام بسد هذا الثقب.

وكذلك بعد العلاج والتشافي يأتي دور الوقاية من النكوص والارتداد مرة أخرى، وأهم المداخل لديمومة التعافي هو تدعيم جوانب القوة والسواء، بل وحتى في عملية العلاج ذاتها يعد تدعيم جوانب القوة عاملا مساعدا في تسهيل العلاج وتسريعه.

إن الاقتصار على نموذج المرض والمريض والعلاج، وتجاهل نموذج الصحة والقوة والنمو هو الخطأ الذي يدفعنا أن نقول إن هذا كان حرمانا وظلما في توزيع جهود علماء النفس للبشرية: أصحاء ومرضى، وحان وقت حصاد هذا الظلم بالاحتياج الشديد والملح لعلم النفس الإيجابي ليسد الفجوة الكبيرة ويصحح المسار ويعيد توزيع الجهود. وللحديث بقية عن علم النفس الإيجابي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم النفس
عرض التعليقات
تحميل المزيد