يسمى علم النفس الإيجابي أيضا السيكولوجية الإيجابية، وعلم اقتدار الإنسان، وعلم مكامن القوة وعلم السعادة، وعلم القوى الإنسانية، وعقدت له مؤتمرات وصار له هيئات باسمه مثل رابطة وجمعية دولية لعلم النفس الإيجابي IPPA))، والشبكة الأوربية لعلم النفس الإيجابي ENPP))، وأعدت تحت مظلته وباسمه آلاف الأبحاث الحديثة.

وعلم النفس الإيجابي هو مدخل وبوابة لاستعادة التوازن وتصحيح المسار ومنهج في الوقاية والعلاج، له جذور وروابط مع المدرسة الإنسانية التي تؤمن بقوة الإنسان ورقي ذاته مثل ماسلو الذي تحدث عن دافعية تحقيق الذات لدى الإنسان، وكارل روجرز الذي ارتقى بنظرة علم النفس للإنسان وقدراته، وماكليلاند في تناوله لدافعية الإنجاز، ثم مادي وسوزان كوبازا في تناولهما للصلابة النفسية، إلا أن صاحب المبادرة الواضحة والصرخة العالية التي سطرت خطّا واضحا ونداء مسموعا هو مارتن سيلجمان، رئيس جمعية أطباء النفس الأمريكيين،1998 .

ويرى مجدي عبد الله (2013 : 320) أن أغلب الموضوعات التي يبحثها علم النفس الإيجابي كانت حاضرة فيما يسميه البعض (علم النفس السلبي)، إلا أن نقله نوعية حدثت في إطار (علم النفس الإيجابي) يمكن إجمالها ببعدين:

الأول: أنها كانت متناثرة وغير مؤكد عليها، بل يمكن القول إنها كانت ضائعة في خضم الجوانب السلبية الحاضرة في الدراسات، بينما هي تحضر بشكل قوي ومؤكد في التوجه الجديد.

الثاني: إن الموضوعات الإيجابية نضجت ضمن تيار له كيانه الخاص وملامحه المحددة، مما يعطيها زخما دافعيّا بحثيّا وتنظيما صحيحا يبرزها كموضوعات أساسية رائدة.

ولعل الاهتمام المتزايد بموضوعات علم النفس الإيجابي هو نوع من التعديل والتجديد وتقييم ما فات وطرح أفكار جديدة ومبتكرة ونافعة أيضا، وهذه سنة الحياة والكون في كل مجالات الحياة.

ويعتبر علم النفس الإيجابي هو المدخل الوقائي والعلاجي لاكتشاف مكامن القوة الإنسانية وتنميتها وتعظيمها فيساعد في عملية العلاج ويبني جدران الوقاية من المرض فهو يمثل نموذج الصحة والسواء فيركز على أوجه القوة عند الإنسان لا أوجه القصور، وعلى الفرص للتعامل معها أكثر من التهديدات، وعلى تعزيز الإمكانات بدلا من الانحسار على معالجة العجز.

1

علم النفس الإيجابي يمثل مظلة للتركيز على كل ما هو إيجابي وعلى ما يفعله الإنسان بشكل جيد، ويسعى لزيادته وتطوره بدلا من الإصلاح أو العلاج فقط، فمبدؤه الأساس أن ننتقل من +3 إلى +10 على مقياس السعادة والرضا عن الحياة بدلا من مساعدتهم على التخلص من عيوبهم وسلبياتهم من -4 إلى صفر، وإلا فهل كل هدفك يكون في الوصول إلى الحالة الصفرية؟

2

فلو أن شخصا لديه 3 مميزات وسمات إيجابية ولديه 3 عيوب فهل نركز على زيادة المميزات أم إصلاح العيوب؟ يبدأ علم النفس الإيجابي بالتركيز على هذه المميزات والسمات الإيجابية باعتبار ذلك التركيز الإيجابي هو الأهم والأولى، والذي ربما يقود الشخص إلى التخلص من عيوبه، لأن الإيجابيات عندما تزيد وتتعاظم فإنها تمنحه تقدير الذات المرتفع ويتقبل نفسه كما هو فيشعر بالرضا والسعادة ويحاول حماية ذاته من الأخطاء والعيوب، فتقل مساحة العيوب، ويسهل علاجها، أما إن كانت هذه العيوب تعوق سعادته وتكيفه ولم يكن مجديا معها التنمية الإيجابية للميزات فإننا نبدأ في وضع تصور علاجي، ثم يعود علم النفس الإيجابي ليحصنه من النكوص والارتداد مرة أخرى وتنمية تفكيره وشعوره وسلوكه الإيجابي.

ودور المعالج النفسي أو حتى المرشد النفسي ليس مجرد خفض التوتر، وجعل الفرد خاليًا من أعراض المرض، ولكن أيضا تيسير تحقيق الهناء والإشباع النفسي والذي هو ليس مجرد هدف في حد ذاته، ولكنه يؤدي وظيفة وقائية من الأمراض النفسية في المستقبل، بل قد يعمل على الشفاء من المرض. (الفرحاتي السيد، 2012 : 20)

ويعرفه جبر محمد (2013 : 42) بأنه العلم الذي يدرس جوانب القوة في شخصية الإنسان لتعينه على مواجهة الضغوط وحل المشكلات وتحقيق الوجود الأفضل.

ويعرفه مجدي عبد الله (2013: 318) بأنه السعي العلمي لأكثر الوسائل الواعدة بحياة مفعمة بالصحة والاكتفاء، نشأ (علم النفس الإيجابي) في مقابل (علم النفس السلبي) ويراد بالإيجابي والسلبي هنا طبيعة أو ماهية المتغيرات النفسية المدروسة.

إن علم النفس الإيجابي هو علم مكامن القوة وإطلاق القدرات، علم تحسين الفضائل الإيجابية وتعزيزها وتنميتها لدى الجميع صغارا وكبارا. فإذا كان الشخص يعاني من القلق فيمكن أن نعالج القلق ويمكن أن ندعم الشعور بالطمأنينة والأمل فيذهب القلق، وإذا كان الشخص يعاني من الاكتئاب فيمكن ونحن نعالج الاكتئاب أن نركز أكثر على ممارسة السعادة وأنشطة المتعة، والتقدير الذاتي وتنشيط انفعالات إيجابية بالرضا والامتنان والدعم الاجتماعي واستعادة الشعور بالإنجاز.

ويمكن أن نعرفه فنقول إنه المدخل الإيجابي الذي من خلاله تتم الدراسة العلمية للانفعالات والسمات الإيجابية في الشخصية ويهتم ببناء القوة والقدرة والمتعة والصحة في الإنسان المعافى وغير المعافى وصولا إلى أقصى حالات الاقتدار والتمكين والإنجاز والرضا والسعادة وجودة الحياة.

                              

هل علم النفس الإيجابي يرفض دور ومدخل علم النفس العلاجي (علاج الاضطرابات)؟

علم النفس العلاجي مدخل علاجي وإصلاحي لموطن العلة والاضطراب، وعلم النفس الإيجابي هو أيضا مدخل وقائي وعلاجي من خلال تنمية موطن القوة، فهو وقائي للأصحاء وعلاجي لغير الأصحاء.

وما يرفضه علم النفس الإيجابي هو أن يقتصر الأمر على النظر إلى هذا الإنسان متعدد الجوانب إلى جانب المرض فقط، إنما ينبغي أن ننظر إلى جوانب القوة وندعمها لأنه إذا كان الاضطراب قد يعوق تكيف الإنسان وتوافقه النفسي فإن دعم جانب القوة قد يعالج الاضطراب أو يكون أحد العوامل والمتغيرات الأساسية في علاجه، فمدخل علم النفس الإيجابي هو أحد الإجراءات المهمة في عملية العلاج، حتى أن العلاج المعرفي يهدف إلى توظيف التفكير العقلاني والإيجابي كوسيط علاجي لكثير من الاضطرابات كالقلق والاكتئاب، ومع التنشيط المعرفي هناك التنشيط للانفعالات الإيجابية، لأنه لم يعد الدواء والنصائح الطبية هي وحدها العلاج الفاعل للاضطرابات.

“ولا يمكن أن يلوم أحد علم النفس المرضي أو الإكلينكي لأنهما يركزان اهتمامهما على دراسة العمليات والأبنية السلبية (اضطرابات وأمراض)”. (أسبينوول وستودينجر، 2006 : 185) لكن المشكلة في اختزال علم النفس على هذين الفرعين وتركيز الجهود عليهما لأن علم النفس العلمي لا ينحاز لجوانب سلبية أو إيجابية، إنما يهتم بدراسة الحالات الإنسانية الإيجابية أو السلبية، كما يتناول كل المفاهيم والمصطحات التي تخص النفس الإنسانية.

“ولأن الطب النفسي يتبنى تقليد الطب البشري، ولأن الطب البشري هو أساس علم طبي يهتم بعلاج الأعراض المرضية، فقد انتقل هذا المفهوم إلى الطب النفسي فأصبح التركيز الأساسي على فهم الجوانب المرضية من السلوك وجوانب الاضطراب، بهدف علاجها بما يلائمها من وسائل عضوية وعقاقير”. (عبد الستار إبراهيم، 2011 : 185)

لذلك لا بد من تكامل الشغل على المسارين: علاج الاضطراب والمعوقات، وإطلاق الطاقات والإمكانات وهو موقف أخذ علم النفس الإيجابي يتبناه في أبحاثه وممارساته. إلا أنه يؤكد أن أفضل علاج للاضطرابات والمعوقات يتمثل في التركيز على الإيجابيات وطاقات النماء المتوفرة لدى الفرد والجماعة وتعظيم فرصهما المتاحة والممكنة. (مصطفى حجازي، 2012 : 34)

 

إن السيكولوجية الإيجابية في العلاج تركز على:

  • كيف يمكننا أن نفعل مكامن القوة داخل الإنسان لتعمل كمضادات حيوية وأمصال مناعية ضد المرض النفسي؟
  • هل إذا ركزنا على التفاؤل والأمل فإننا نهزم القلق والاكتئاب؟
  • هل إذا نشرنا مفاهيم السعادة وممارسة جودة الحياة فإننا نقضي على الملل والانطواء؟
  • هل إذا دعونا إلى المثابرة والقدرة والأمانة فإننا نمنع حدوث الضعف والانهزام؟

3

على سبيل المثال: كيف نقي أنفسنا من الاكتئاب والقلق من خلال علم النفس الإيجابي؟

يجيب عن هذا سليجمان (2006) رائد ومؤسس علم النفس الإيجابي من خلال قيمة واحدة إيجابية وهي “التفاؤل المتعلم أو تعلم التفاؤل”، فإذا كان هناك شخص منافس لك في عملك واتهمك ظلما بأنك فاشل في عملك وبالتالي أنت لا تستحق الوظيفة التي تعمل بها، فإما أن تستخدم مهارة “التساؤل والمقاومة والدحض” حيث تتساءل هل هذا صحيح؟ فتقاوم الفكرة وتستدعي أدلة وشواهد تؤكد أنك تؤدي عملك على أكمل وجه. أو أن تتهم نفسك زيفا بأنك لا تستحق الوظيفة التي تعمل بها. وهذه طريقة التفكير الآلي الذاتي للمتشائمين ولن تقوم بدحض الاتهام، وإذا كانت الاتهامات آتية إلينا من داخلنا ونميل إلى الاعتقاد بصحتها فقد قضي الأمر وفتح باب القلق والاضطراب.

وهذا الذي أشار إليه سليجمان هو ما يسمى بحديث الذات الإيجابي أو السلبي الذي يرتكز عليه العلاج العقلاني الانفعالي لألبرت إليس، والعلاج المعرفي السلوكي لميكنباوم وآرون بيك.

فإذا كان الإنسان متفائلا في لغته وتفكيره وتوجهه استطاع أن يتعامل مع ضغوط الآخرين السلبية بحكمة واتزان فلا يظلم نفسه ولا يتعالى، وإذا تدرب على التفكير في التفكير وصار قادرا على تفنيد ودحض الرسائل السلبية وتوقيف التفكير الآلي السلبي فإن هذا الرد والدحض يمثل آلية في تعزيز الذات وتدعيمها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علم النفس

المصادر

- أسبينوول ليزاج، وأورسولا م.ستودينجر (2006). سيكولوجية القوى الإنسانية، ترجمة صفاء الأعسر وآخرون، ط1، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
- الفرحاتي السيد محمود (2012) علم النفس الإيجابي للطفل، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية.
- جبر محمد جبر (2013) علم النفس الإيجابي.
- عبد الستار إبراهيم ( 2011 ).عين العقل: دليل المعالج النفسي للعلاج المعرفي الإيجابي، سلسلة الممارس النفسي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.
- مارتن سليجمان (2005).السعادة الحقيقية: استخدام الحديث في علم النفس الإيجابي لتتبين ما لديك لحياة أكثر إنجازا.ترجمة صفاء الأعسر وعلاء الدين كفافي وعزيزة السيد وفيصل يونس وفادية علوان وسمير غباشي، القاهرة: دار العين للنشر.
- مارتن سليجمان (2006) علم النفس الإيجابي: الوقاية الإيجابية والعلاج النفسي الإيجابي، ترجمة: محمد السعيد عبد الجواد أبو حلاوة بموقع إلكتروني: www.gulfkids.com
- مجدي أحمد محمد عبد الله (2013). مقدمة في علم النفس الإيجابي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.
- محمد السعيد عبد الجواد أبو حلاوة (2014).علم النفس الإيجابي: ماهيته ومنطلقاته النظرية وآفاقه المستقبلية، الإصدار الرابع والثلاثون، مؤسسة العلوم النفسية العربية.
- مصطفى حجازي (2012).إطلاق طاقات الحياة: قراءات في علم النفس الإيجابي، التنوير للطباعة والنشر، لبنان.
عرض التعليقات
تحميل المزيد