لطالما صدعوا رؤوسنا في كتب التنمية البشرية الشعبوية عن قوّة التفكير الإيجابي وأنّها المفتاح لتنفيذ رغباتنا في الحياة. لكن بكل أسف، ليس هذا الأمر دقيقًا، إذ أنّ أبحاثًا عدّة وجدت أن التفكير الإيجابي المفرط لا يؤدي إلى تنفيذ الأهداف، وهؤلاء الذين يرسمون في أذهانهم خيالات إيجابية عن أهدافهم، يحرزون ذات التقدم أو حتى أقلّ من نظرائهم من الأشخاص الذين لا يرسمون تلك الخيالات الإيجابية في أذهانهم.

لم لا ينفع التفكير الإيجابي إذًا؟ عندما تحلم بتحقيق هدف ما، وترسم ذلك الحلم الذي يراودك في ذهنك، وتتخيل المحصلة المستقبلية الرائعة، والتي تدخل السرور إلى قلبك، سيترك ذلك لديك شعورًا جميلًا ودافئًا بالرضى، وعليه سيشعر دماغك بالسعادة والرضى، وسيفقد الدافع والعزيمة لتحقيق ذلك الأمر.

في حديثه الممتع، يشير ديريك سيفر لفكرة شبيهة عندما ينصح الناس بعدم الإعلان عن أهدافهم، فهو ينصح الناس بالاحتفاظ بأهدافهم لأنفسهم، فيقول:

إنّ إعلانك عن هدفك يجعلك تشعر بالسعادة، وتقبّل التهاني من الآخرين، وبالتالي تفقد الدافع لتحقيقه.

تخيّل أنّك تريد فقدان وزنك، أو تعلّم قيادة السيارة، ما الذي يحدث عندنا تبدأ بإخبار الآخرين بخططك تلك؟ ماذا يحدث عندنا تبدأ بتلقي التهاني والتبركيات؟ ستبدأ بالشعور بالسعادة الداخلية أنّك ستحقق ذلك مستقبلًا، وما الذي يحدث بعد ذلك؟ بكل بساطة لن تكمل التمارين، ولن تتعلم قيادة السيارة، فدماغك حصل على السعادة والرضى قبل إنجاز العمل، ولن يبقى له ذلك الدافع لتحقيقه بعد ذلك.

إذًا ما هو الحل؟، يقترح «غابيرييل أوتينجن» في مقالته في «هارفارد بزنس ريفيو « استخدام التخطيط المشروط أي إذا حصل كذا فسأفعل كذا، وبالتالي الموازنة بين الرغبة والإمكانية، ووفق غابريل لا ينفع التفكير الإيجابي في تحقيق هدف ما، وإنما علينا الموازنة بين أربعة أمور وهي: الرغبة، النتيجة، العائق، خطة التنفيذ وهو ما يسميه نموذج  woop.

إنّ مشكلة علم التنمية البشرية الشعبوية، أنّه يركز على الرغبة والنتيجة فقط، ويغفل العائق وخطة التنفيذ، فيطلب منك مدربو التنمية البشرية أن تحلم بهدفك، وتخيّل الوضع عند تحقيقه وفقط، وإذا كان تخيّل الهدف والمحصلة أمرًا مطلوبًا، ولكنه غير كافٍ البتّة، فحسب غابريل عليك بعد ذلك تغيير السيناريو، ومن ثمّ تخيّل العقبات التي ستواجهها لتحقيق ذلك الهدف، وبعد ذلك الانتقال لخطة التنفيذ وفق المنطق التالية: إذا واجهتني العقبة (س)، سأواجهها بالإجراء (ع)، وهكذا.

إنّ طريقة التفكير تلك تساعدك في معرفة هل الهدف أصلًا قابل للتحقيق، وهل رغباتك واقعية، ويمكن في نهاية مثل هذا التمرين، وضع إجراءات عملية لتحقيق رغباتك، أو تجاهلها والتخلّي عنها بحثًا عن رغبات واقعية أكثر.

إذًا في المرة القادمة، وحين يخبرك أحدهم أنّ التفكير الإيجابي يكفي لتحقيق هدفك تذكّر هذه المقالة، وتذكّر قصة جحا وجرّة العسل، ولا بدّ أنّك تتذكر النهاية أنه كسر الجرّة وضاع العسل بتفكيره الإيجابي المفرط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد