هل فكرت يومًا بالمعنى الصحيح لكلمة الإيجابية المنتشرة حولنا في كل مكان؟ ستجد هذه الكلمة يرددها الصغار والكبار والموظفون والمديرون والإعلاميون، ولكن ماذا عن معنى هذه الكلمة حقيقة وهل يمكن استخدامها في عدة مناح؟

حقيقة فإن اللون الأبيض لا يظهر إلا بوجود الأسود بجانبه، ومن المهم أن تعرف الإيجابية في مقارنة مع السلبية، الإيجابية قد تشير إلى العنصر الموجب كيميائيًا أو القطب الموجب فيزيائيًا، وفي علم النفس هناك تعريف آخر لكن هناك فلسفة تستخدم هذه الكلمة بمنحى جديد كليًا.

«الإيجابية» هي أن لا تترك لكلمة (لا) أي مجال للظهور وذلك بنفي أسباب وجودها، وإليك مثال:

حين تسأل ابنك فيما إذا كان يحب التفاح أو لا فإنه بالتأكيد يمكن أن يجيب بنعم أو بلا، ولكن حين تسأله عن أيهما يحب أكثر، التفاح أم البرتقال؟، فإنه لن يمانع أحدهما.

من السهل أن تقول كلمة لا دعوة تلقيتها ولكن لا تعجبك في المقابل فإن «الإيجابية» تعني أن تترك الآخر يتقبل رفضك كيفما يشاء، أي يمكنك أن تترك للآخر فرصة الرفض والممانعة، الأمر بسيط في مبدئه ولكن المتمرس فيه قد يدعو زوجه للطلاق وزميلًا للكراهية وصديقًا للفشل، وهكذا باستخدام هذه الفلسفة بإمكانك أن تدفع الآخر لفعل ما تريده أنت.

فلسفة «الإيجابية» لا تعمل إلا بشروط: أولها الاستمرارية عبر الزمن لفترات طويلة، وثانيها أن تلتزم بالفلسفة في جميع مناحي حياتك وفي جميع التفاصيل، لأن الشمولية مطلوبة لتحقيق الهدف.

يصاحب هذه الفلسفة عند استخدامها باستمرار أن تتسبب للآخر بالانزعاج الشديد كي لا يكرر طلبه، الأمر يشبه ترويض الحيوانات، وأن مستخدمي هذه الفلسفة مقتنعون بدونية الآخرين حين يريدون أن يروضونهم ملقبين ذلك بمبادئ تربوية، يتسم هؤلاء الأشخاص بفكر سلطوي فينطلقون من مبدأ أن عليهم أن يروضوا الآخرين وأنهم شعب الله المختار وغيرهم عبيد عندهم وخلقوا لخدمتهم، لأن الله رفع الناس فوق بعضهم درجات.

وللتعامل مع هذه أصحاب هذه الفلسفة فإني وجدت طريقتين فعالتين جدًا، أولًا لا تعاند هذا الشخص أبدًا بل أظهر له الذلة والخنوع، لأنه سيقتل في حال كان لك أي إرادة، لأنه لا يرى سوى أحقية سلطته وجبروته، لماذا عليك أن تجيب جميع طلباته بسرعة؟ إن اجابة جميع طلباته طيلة الوقت يجعله منزعجًا ومستغربًا أيضًا ويؤذيه نفسيًا، ومع الوقت سيبدأ في التقليل من الضغط عليك.

والطريقة الثانية: هي أن تبادر أنت كل مرة بوضع نفسك في الموقف الغلط، بحيث يترسخ في نفسه وعاطفته أنك غبي فعلًا وأنك ستتصرف كل تلك التصرفات الرعناء، وأنه دائمًا استباقي لكل تحركاتك وأن أقصى ما تستطيع فعله هو أغبى ما يمكن أن يتوقعه، هذا الأسلوب يمكِّن الشخص من الشعور بالسلطة والقوة بشكل وهمي ويشبع احتياجه التحكم بالأمور ورؤية نفسه أعلى من غيره.

لقد أخذتُ هذه الطريقة في الرد، من قوله تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة)، وتفكرت فيما يكسبه الطرفين من استخدام هذا الأسلوب، وفيما يشعران به، ورأيت أن أحدهما يشعر بذل الآخر والثاني يشعر بالرحمة بالأول، وهكذا تتحقق طرفي المعادلة بالمبادرة من الطرف الأقوى.

أما الطريقة الثالثة في الرد على هذا الشخص: هي عدم التعاطف معه أبدًا وعدم التواصل معه عاطفيًا لأن بناء حاجز من الجفاء، يعمل كما يقول المثل (ابعد تحلى) وستجد أن الشخص منزعج لأنك لا تكترث له حقيقة.

إن العلاقات مبنية على 90 بالمئة من العاطفة والجانب النفسي بما فيها قيم الثقة و10 بالمئة على الأداء الحقيقي، وفي حالة المستخدمين لفلسفة الإيجابية هذه فإن منحهم الأداء وهو ما يصرون عليه دون الـ90 بالمئة التي لا يقرون بوجوده لسبب أو لآخر، فهو يحرمه من لذة الشعور بما يفعلونه، فيتخلون تدريجيًا عن محاولة السيطرة عليك بأن يجعلوك تقول كلمة نعم باستمرار.

لدى تأكدك بعد فترة طويلة من أن «الإيجابي» لا يريد التعامل معك يمكنك أن تقرر سير العلاقة من جديد، وإذا ما كنت تريد تفهم هذا الشخص وإبقاءه في حياتك والتعامل معه بما يبني العلاقة مرة أخرى بمبدأ حق الرفض والقبول، أو أن تقرر شكر الله على خروجه من حياتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد