إذا كانت تصفية الأفراد أو أي مجموعات من البشر من منظور الطرف الفاعل، تمثل الحل والمخرج الوحيد المتاح والممكن، للخطر الذي يمكن أن يمثله الأفراد أو المجموعات الجسيمة عليه، التي ربما تصل إلى تهديد وجوده فعليًا، لذلك ينبغي القضاء عليهم وتبديد وجودهم مهما كانت قساوة وفظاعة التصفية، فإنه ربما تكون هذه الحلول في حد ذاتها جريمة لا تغتفر، وتعتبر عملاً إرهابيًا بالرغم من المعطيات والاقتناعات التي توصل إليها الطرف الفاعل.

مع ذلك فان المعطيات التي وصل معها الطرف الفاعل إلى درجة اليقين والتسليم والتصديق، الذي يتوجب معه تنفيذ التصفية العاجلة والقاسية في الأفراد أو المجموعات، هذا اليقين والتسليم والتصديق الذي إما أن يكون ذاتيًا داخليًا محضًا بأدوات الطرف الرئيس نفسه، أو يكون اقتناعًا ويقينًا تكون نتيجة أطراف خارجية يستند إليها النظام، وفي هذا الثاني -في تقديري- مكمن ومنبع الخطر، لأنه ربما لا تسلم النتائج التي تقدمها الأطراف الخارجية من المكر أو أي فعل ناقص بما من شأنه أن يؤدي إلى حتمية إزاحة وإزالة الطرف الآخر، وهو التقدير الخاطئ الذي إذا تم، فإن مردوده وعاقبته المؤكدة هي إزهاق الأرواح البريئة من ناحية، وربما حدوث رد فعل مختلف على الدولة وسيادتها من ناحية أخرى.

مع ذلك فان قضية تصفية خاشقجي -رحمه الله- التي وجدت تفاعلاً دوليًا وإقليميًا كبيرًا، ورغم كل ما أثير حول ملابساتها فإنها في تقديري بل وفي تقدير أي مراقب، تمت على الأرجح لأغراض بعيدة ولأهداف أخرى، ربما تظهر بعد وقت طويل، وكان ما حصل هو من تقدير الأطراف الخارجية التي ورطت الطرف الفاعل بها لا من تقدير الطرف الفاعل وأدواته الداخلية.

ومع هذا فإن اندفاع الطرف الرئيس بما يمتلك من قوة مادية وعسكرية، وأرض ثابتة يقف عليها في سحق وتصفية الأفراد أو المجموعات، التي تعتبر في تقديره وتقدير أجهزته، مصدر قلق وصداع يؤرق النظام، ربما يكون في بعض الأحيان نتيجة مكر طويل واستدراج خارجي منظم يعقبه ويتلوه نسف وجود النظام الرئيس، وذلك لتحقيق أهداف ومصالح ومطامع، اقتصادية وسياسية وأيديولوجية، يصعب تنفيذها وتحقيقها في حال وجود النظام القوي على أرض صلبة، إلا أنها تكون سهلة التحقيق والتنفيذ في الحالة الأخرى، وهي نسف النظام بأيدي وأدوات النظام نفسه، ومن غير أن يكلف المستهدف الخارجي نفسه شيئًا ومن دون خسائر مادية أو بشرية.

إن تصفية الأفراد وإسكات الرأي الآخر (البعض يصف التعبير عن الرأي بأنه صفة سيئة لا ينبغي أن يتصف العقلاء بها! ولا أجد في ذلك تعقيبا -إذا كان مثله يستحق التعقيب والتفنيد- سوى أنها محاولات مبتكرة وجديدة لم يسبق بها أحد في المسلمات والحقائق) وتصفية قادة الرأي واعتقال العلماء والشخصيات العامة والدعاة، هي من صفات وعلامات الاستبداد، وهي صفة لا ينبغي أن تتصف بها دولة عادلة، وكان ما ينبغي فعله هو المحاورات والمفاوضات مع الطرف أو الأطراف الأخرى، والوصول إلى تفاهمات واتفاقات لتجنيب الدولة مخاطر الانشقاق والفتنة والاختلاف، غير أن الاستبداد يمكنه أن يزيد من احتقان الوضع المحتقن أصلا، مما يمكن أن يؤدي بدوره إلى حدوث واحد من احتمالين: الأول هو انفجار الوضع، بعد ارتفاع عدد الاعتقالات التي تمت بحق العلماء والأئمة، وتصفية المعارضين السلميين أصحاب الرأي، وحدوث حالة فلتان غير متوقع أو محسوب تصعب السيطرة عليه، الاحتمال الثاني -لا قدر الله- هو توقيع عقوبات اقتصادية علي الدولة باعتبارها مارقة، واستنزاف أموالها، ومن ثم إحداث تغيير جبري لنظام الحكم، وليس من المستبعد فرض نظام جديد تحدده الدول الكبرى ذاتها في مماثلة لإعادة نموذج الدولة العراقية أو الأفغانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد