واقع مرير من الإذلال والهوان والاستضعاف والخذلان، يحياه المسلمون بين أروقة عالم كبير يطغى بهيمنته وكبره ويُحكم قبضته الحديدية، التي لا هوادة فيها ولا رحمة على أمة من المستضعفين في بقاع عديدة، حال ما عاد يكفيه إدانة بالكلمات أو استنكار بالخطب والشعارات بل بات إعمال الفكر واجبًا ليرتد صداه حراكًا واسعًا مداه متنوعة وسائله  فيؤتي أكله لا بد ولو بعد حين.

وقد أرسى سلفنا الصالح في مدوناته  الفقهية درة نفيسة مفادها أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وهي أيم الله  قاعدة لا تترك للمعَذرين مخرجًا، إذ إنها تقود المؤمنين لمقاومة الباطل المتسلط كل بحسب استطاعته.

وفي هذا يخبرنا ابن تيمية أن المرء  يؤمر بما يقدر عليه، وما عجز عنه يبقى ساقطًا ويقول ابن رجب الحنبلي إن من عجز عن فعل المأمور به كله  وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكنه منه.

ويقول صاحب تفسير المنار  أن التكليف هو بما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر،  وقال بعضهم هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها وهو ما دون مدى طاقته،  والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين ألا يكلف عباده ما لا يطيقون.

ويقول صاحب الظلال سيد قطب: وهكذا يتصور المسلم رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض وفي ابتلائه في أثناء الخلافة وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف، ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله فلا يتبرم بتكاليفه ولا يضيق بها صدرًا ولا يستثقلها كذلك وهو يؤمن أن الله الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه، ومن شأن هذا التصور  فضلًا عما يسكبه في القلب من راحة وطمأنينة وأنس، أن يستجيش عزيمة المؤمن للنهوض بتكاليفه وهو يحس أنها داخلة في طوقه ولو لم تكن داخلة في طوقه ما كتبها الله عليه، فإذا ضعف مرة أو تعب مرة أو ثقل العبء عليه أدرك أنه الضعف لا فداحة العبء واستجاش عزيمته ونفض الضعف عن نفسه وهم همة جديدة للوفاء ما دام داخلا في مقدوره. وصدق رحمه الله فإن غلقت أبواب سبيل وتعسرت مسالكه فالسبل الأخرى أبوابها  ميسرة والغاية أن يبقى وهج مقاومة الظالمين فنارًا يرشد السائرين إلى مرافئ النصر والتمكين، وينذر المتكبرين باقتراب موعد ردع يزلزل عروشهم.

 

إن الواقع حافل بأمثلة لأشكال من المقاومة آتت أكلها، وإن بدت أول الأمر غير مجدية،  وتجارب الآخرين تنبيك أن الخطب ليس جلالًا وأن الطريق يباسًا مستطاعًا فقد أضرب يومًا سائقوا الباصات في اليابان اعتراضًا على تدني الرواتب والخدمات خاصتهم، وقاموا بإيصال الركاب مجانًا مما كبد الشركات خسائر فادحة حتى رضخت لمطالبهم.

 

وفي فرنسا أضرب عمال السكك الحديدية يومين في الأسبوع فقط واستمروا باقي الأيام، فتوصلت الحكومة معهم لحل مرض، وفي مكان آخر خاض مجموعة من الطلبة إضرابًا مفتوحًا احتجاجًا على حفنة من قوانين الجامعة التي تحد من نشاط الطلاب،  واتسع الإضراب وزادت مساحة الاعتراض وأعلن الشباب مقاطعة الامتحانات، وتوسع الأمر فشمل الأهالي حتى تدخلت إدارة الجامعة واعدة بتحقيق مطالبهم.

إن الغايات مهما عظمت لا يحول بين الناس وبينها سوى همم كليلة، وإن مقاومة الظلم مطلب دائم والاستمرار على دربه بكل الوسائل الميسورة حتم لازم كي يبقى الأمل حيًّا في جُنبات الأمة وجموعها غير منحصر في فئة  أو حزب أو حركة.

وإن المقاومة ستظل أنجع وسائل الانتصار التاريخ  قال هذا على مر عصوره فما من صراع إلا وتحسمه قوة، وقد جاء الإسلام مقرًا لتلك القاعدة  التاريخية ومبينا السبيل ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وحاثًّا عليها موضحًا عظيم أجرها ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عملًا صالحًا ومحددًا البداية وأعدوا لهم ما استطعتم.

فالله لا يكلفنا غير السعي والسعي على قدر الطاقة، وجهد المؤمن  في هذا الطريق محفوظ عند مليك مقتدر، وأن سعيه سوف يرى

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد