“السجن محاصرة للجسد في حيز ضيق، لكن ماذا عن الروح؟”

 

كنت جالساً في مطعم عتيق بوسط القاهرة أقرأ، عندما قاطعني رجل أربعيني بلهجة مغاربية متسائلًا عن الكتاب، وعندما عرف أنه رواية “الآن هنا” لعبد الرحمن منيف، قال “شرق المتوسط عمل عظيم” بينما يدعوني بحفاوة لأشاركه الطاولة، وهو ما لم أتردد فى قبوله، يدفعني فضول لاقتناص حديث عابر، ربما يندر تكراره.

 

– كاتب تونسي مقيم في القاهرة.
– عاطل، بصدد كتابة موضوع صحفي عن أدب السجون، وعله إن كُتب لا أكون كذلك.

 

كان ثملًا للغاية، قال لي اكتب: علمونا وتعلمنا أن السجن هو محاصرة للجسد، لكن لم يدعي أحد أن السجن حاصر روحه، في يوم من الأيام. ليرمنتوف وهو أعظم شعراء الأرض مات في السابعة والعشرين، أودعوه سجون سيبيريا وهو في الخامسة والعشرين، وكان آخر ما كتبه قبل أن يموت وهو يرى فأرًا يقضم كسرة خبزه المخضرة بيته الشهير “هو ذا العالم رحبًا لم يضق يومًا بشاعر”.

***

 

كان رفيقى المؤقت يتحدث بحماس دفع عاملًا للهمس فى أذننا بأن نقلل الإزعاج، قلت ساخرًا “لكننا لا نتكلم في السياسة” لكننى شعرت بعدها بالضيق من الموقف كله، فعدت لطاولتي وكتابي وعاد ذهني للبحث عن طرف الخيط “لمن ولماذا قد يكتب سجين؟!

 

باغتنى عبد الرحمن منيف على لسان بطله “ما كنت أريد أن أتذكر عمورية وحكامها، ولم أكن أنوي تذكر سجونها بشكل خاص، ولكني وجدت نفسي عاجزًا عن الهرب، تدهمني الوقائع والوجوه، وتأكلني الخيبة، آن لي أن أتكلم.

 

قد أخطئ وقد يساء فهمي، وربما تدور حولي الظنون. لا يهم، لم يعد هناك ما أحرص عليه، لم يبق مني شئ، فلماذا أظل صامتًا؟ لا أخشى من نظراتكم الساخرة – والتي قد تبلغ الهُزُء حين أكشف أرواحنا، وحين أتحدث عن مناكداتنا كالأطفال أو كالمعتوهين، قد تستغربون مناقشاتنا وقد يتواقح بعضكم فيقول كان الأجدر بهؤلاء المساجين أن يستفيدوا من وقتهم أو أن يكونوا أنضج – لا أريد أن أتصدى للدفاع.

 

ولكني أدعو هؤلاء إلى السجن المركزي ليعرفوا ويروا كيف يتشوه السجين، أما إذا حالفهم الحظ ووصلوا إلى العقير أو القليعة للزيارة لا للإقامة فعندئذ يمكن أن نصل إلى لغة مشتركة وقد نتفق”.

***

 

لا أعلم على وجه الدقة من هو أول سجين كتب عن تجربة سجنه، مؤرخًا لبداية ما يسمى بأدب السجون، لكن الكاتب السوري لؤي حسين يحكي في كتابه الفقد: “لست أنا ذاك السجين الأول، لكنني كنت أولًا. فكل سجين هو سجين أول.

 

أعدت اكتشاف السجن، مثل غيري، من جديد، لم أقبل ولم أسلّم باكتشافات السابقين، ففي السجن لا يوجد معلم ولا خبير ولا صاحب طريقة. ليس بداهة أن يكتب السجين عن سجنه كما يتخيل البعض. وليس واجبًا عليه أن يروي حكايات السجن فضحًا للسجان. فالسجن بعد أن يمضي يتحول إلى حكاية تافهة بالمقارنة مع معاناة السجين”.

***

قد تقبل على سجنك بإرادتك ولا تحاول الهرب، قد تراه ثمنًا يستحق أن يدفع من أجل قضية ما، قد تستسلم لمصيرك، لكن ماذا عن الماشين بجوار الحائط، وكلما أمعنوا في السير ارتفعت الأسوار وحاوطتهم من جميع الجهات؟!

 

“س” مواطن شاب فقد عقله لم يتحمل الظلم الواقع عليه، “س” لم تكن له انتماءات سوى لعمله وأسرته الصغيرة، لم يعلم “س” لماذا زج به في السجن؟ لماذا هو في هذا المكان وسط هؤلاء الناس؟ في أول عشرة أيام حاول الانتحار مرتين!

 

بعد ثلاثة أسابيع بدى أنه تخلى عن فكرة الانتحار واستسلم ليأسه، لم يكن يأكل سوى ما تجيء به أمه في الزيارة الأسبوعية، حين أفرجوا عنه بعد ستة أشهر كان قد فقد خمسة وثلاثين كيلو جرامًا من وزنه، لم يستقبل خبر الإفراج عنه بأي تعبيرات على وجهه، سواءً بالسلب أو بالإيجاب، تحول لبقايا إنسان، عندما رجع إلى بيته كان يحمل السجن بداخله؛ لم يحتضن طفلته، ولن يعود إلى عمله!

***

 

في بلادنا يقولون أن كل مواطن هو سجين محتمل، لا يتعلق الأمر فقط بأن يكون سجانك يحمل على كتفيه عددًا من النجوم، قد تكون روحك سجينة قد تكون أنت سجانك وجلادك! السجن لا يصنع أبطالًا، الجدعان ليس مكانهم السجون. لا تستخفوا بالسجن، الثورات تقوم من أجل المساجين، صلوا لأجل المسجونة أرواحهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد