(ما بعد..) ظاهرة فكرية طغت في حقول العلم والفِكر المُختلفة، فمنذ منتصف القرن المُنصرم ظهرت في الغرب كحركة نقدية في بعض العلوم، وما زالت في توسع حتى تسربت للفِكر العربي والإسلامي، فانتشرت مفاهيم؛ (ما بعد البنيوية)، (ما بعد المُجتمع)، (ما بعد الصناعة)، (ما بعد الإنسانية)، (ما بعد الأيدولوجية)، (ما بعد الثورة)، (ما بعد الثقافة)، (ما بعد الإسلام السياسي)، (ما بعد الخطاب الديني)، (ما بعد السلفية)!

وبرغم أن أهم وأوائل (الما بعديات) التي ظهرت في الفكر الغربي كانت (ما بعد الحداثة) والتي بدت كتوجه ناقد ورافض للحداثة، لكن الحقيقة أنها كانت من أهم إفرازات هذه الحداثة، ولم تسلم البيئة الفكرية الإسلامية الرافضة للحداثة والمُعادية لها من هذا الغزو!

والحقيقة أن انتشار الـ(ما بعد..) في الكتابات العربية والإسلامية ودخولها برأسها وذيلها في مُختلف النواح الثقافية والعلمية كان له أثره البالغ الخطورة بالمقارنة بغيره من إفرازات الحداثة الفكرية، إذ أدت لانفصال الفكر عن الواقع والمُباعدة بينهما فراسخ وأميال، والتطلع لمستقبل مُنبت الصلة بالماضي، بل في بعض الأحيان التطلع لتجاوز المرحلة أو الحدث واستدراكهما فحسب دون أن تتعد هذا القدر، وكما قال الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في إحدى محاضراته: (هي كلمة كُلها خداع، إذ تحاول أن تُخفي شيئًا أو أن تتهرب من تعريف، وفي حقيقتها لا تعني إلا الضد).

وقد بدا تأثر بعض المُفكرين والمُثقفين الإسلاميين بالفكر الغربي وآلياته في هذا الشأن في غاية الغرابة، إذ جمعوا بين تناقضات لا يُمكن استيعابها، فبينما رفضوا جُلّ الأفكار السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي خَلَّفَتها منظومة الدولة الحديثة، أفرطوا في استخدام الآليات الفكرية لهذه الدولة الحداثية ومفاهيمها ومُصطلحاتها بشكل مُفرط.

وبينما عظموا من قيمة (التُراث الإسلامي) وأكدوا على أهميته الكبيرة في المشروع الحضاري الإسلامي، ظهر توجههم الرافض بشدة (حركيًا في الواقع) لإعادة إنتاج هذا التراث، بل ظهر ميلهم الجارف المُبالغ فيه لترجمة الفِكر الغربي الحديث وإعادة إنتاج القديم منه، مع تقديم وتعظيم للمُستغربين والمُستشرقين الحداثيين ومتابعة أفكارهم، وتأصيلها أحيانًا من منظور شرعي، والترويج لها، بالرغم من تصريح هؤلاء بمعاداتهم للمشروع الإسلامي.

وقد نتج هذا الاضطراب الفِكري نتيجة عدة عوامل، لعل أهمها:

الانفصال عن الواقع أو الهروب منه بالانشغال بما هو آت عما هو كائن، بل بما هو شبه مُستحيل أحيانًا، على الرغم من أن الهدف الأسمى للعِلم أن يصير موضعًا للتطبيق، وقبل هذا أن يكون صالحًا للتطبيق.

عدم الوعي بقيمة الأصول الإسلامية والتُراث الإسلامي، أو ضعف الإيمان بجدواهما العصرية.

الانبهار الشديد بآليات الفكر الغربي ومصطلحاته ومفاهيمه، لاسيما في مجال النقد المُعاصر، حيث خرجت المصطلحات الغربية المستوردة عن حد الاعتدال، وامتلأت النصوص النقدية العربية بهذه المصطلحات، حتى لا تكاد تخرج في عمومها عن نطاق الفلسفة الغربية وتعبيراتها ومفاهيمها.

البحث عن دور وهمي مُخلص – من القهر والطُغيان والاستبداد والتخلف والإلحاد – فكريًا، بعيدًا عن الحلول الإسلامية الواقعية الإصلاحية الفاعلة الصحيحة المُشتبكة بالواقع.

عدم القُدرة على تحمل تكاليف (الفاعلية) الواقعية الباهظة، بحيث يُحَول المُفكر أو المثقف صراعه الفكري الحركي الواقعي – الذي لا يتحمل قسوته – إلى صراع فكري وهمي عبثي لا معنى له باستخدام أسلحة التنظير والحشو البعيدة عن الجوانب التطبيقية.

الفوضى الفكرية والممارسة المُتعسفة في تطويع المصطلحات لما يخدم أفكار وتوجهات معينة، سواء بقصد مسايرة الموضة الثقافية الشائعة في الأطروحات الغربية والمُستغربة، أو اتباعًا للأهواء الفكرية الاستعراضية، أو بغير قصد نتيجة عدم التعمق الدراسي والعلمي في مفاهيم المصطلحات واستخداماتها ممارساتها.

يقول الدكتور خالد بن عبدالعزيز السيف في مقاله حول (إشكالية المصطلح في الفكر العربي المعاصر): (الفكر النقدي العربي هو في الحقيقة صدى للتصورات والمفاهيم النقدية الغربية، والمدارس النقدية العربية في مجملها لا تخرج عن نطاق الفلسفة الغربية، وبسبب ضعف الجانب التطبيقي لهذه المدارس وقلتها اتجهت في عمومها إلى التنظير والحشد من المصطلحات والإغراق في الاشتقاقات، إلى جانب الغموض في توضيح الأفكار مما يجعل هذه سمة كثير من النقاد، وكأن ذلك صار قدر النقد المحتوم عند كثير من المُهتمين بهذا الشأن، وأصبحت هذه المصطلحات مجرد ألفاظ يُشكل دورانها في الخطاب النقدي العربي نوعًا من الموضة الفكرية، والتي تستورد وتستهلك المصطلحات بشكل عشوائي، وفي بعض الكتابات المعاصرة أصبح النص النقدي أشبه بالمعرض الذي يُعرض فيه آخر ما استجد من الآلة النقدية الغربية بشكل يضيّع كثير من المقصد الأصلي للنقد).

إن خصيصة واقعية العلوم الإسلامية تدفعنا للسؤال لماذا (الما بعدية)؟!

وما مدى جدواها في الواقع المُتأزم الذي يحياه المسلمون في كل بقعة من بقاع الأرض؟!

إن الإنسان خُلق وله إمكانات محدودة واستعدادات محددة، وفي المُقابل فُرضت عليه التزامات معينة نحو واقعه الإنساني والأُسري والمجتمعي والأُممي، وهو يتحرك في كل هذه الدوائر ويُؤدي ما تعين عليه من التزامات في حدود إمكاناته، بحيث لا يصير يائسًا متقاعسًا أو حالمًا مجنونًا.

ونحن لا نرفض (الما بعدية) بكل تصوراتها، لكن نتوقف عندها، ونرسم لها إطارها الذي لا ينبغي أن تتعداه، ونسعى لها حركيًا سعيًا حثيثًا حين تتوافق مع قيمنا ومبادئنا، فلن يتسنى لنا الانتقال لحالة (الما بعد) إلا حين نكون فاعلين فيما نحن فيه، حين نكون أكثر استيعابًا لواقعنا، حين نكون أكثر جرأةً على إحداث التغيير بدلًا من الاستغراق في (الما بعديات) إلى حدٍ جر المسلمين إلى الهامشية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد