أثناء تحضيري لسلسة من المقالات التي تتحدث عن النظريات الفلسفية في حقل العلاقات الدولية، لم يكن من المفاجئ بالنسبة لي أن تغيب المدرسة التي ارتبط اسمها بإدوارد سعيد عن معظم المؤلفات التي قمت بمراجعتها، ولا أعتقد أن السبب وراء هذا التغييب هو أن معظم رواد هذه المدرسة من أصول غير غربية، كما أنه ليس بالتأكيد بسبب تحدثهم عن حالة عدم التكافؤ التي تحكم علاقة الغرب بالشرق، فأنا لست ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة، ليس في هذا السياق بكل الأحوال.

بتقديري الشخصي فإن غياب نظرية ما بعد الاستعمار يعود لطبيعة النظرية وحداثة عهدها بالدرجة الأولى، ولقلة استخدامها في الأوساط الأكاديمية المهيمنة في حقول العلوم الاجتماعية (الجامعات الأنجلوساكسونية بشكل أساسي)، ونظرًا لأن المؤسسات الأكاديمية غير الغربية ذات تأثير ضعيف نسبيًا، لذا فإن غياب أو تغييب مؤلفات وأبحاث مدرسة ما بعد الاستعمار، هي نتيجة طبيعية للهيمنة الثقافية الغربية، ولكن بعيدًا عن أي مؤامرات سرية تحاك في أروقة أو أقبية المؤسسات الأكاديمية الغربية.

ولقد لاحظت من خلال احتكاكي بالأوساط الأكاديمية التركية، بضع محاولات لإعادة إحياء فكرة الاستشراق وما بعد الاستعمار من قبل الأكاديميين الأتراك أفرادًا كانوا أم مؤسسات، كما تمكنت من ملاحظة بعض المحاولات الفردية لإعادة إحياء النظرية من قبل بعض الأكاديميين الغربيين الذين يعارضون الإسلاموفوبيا. يصاحبهم بعض الإسلامويين ممن ذاع سيطهم في المؤسسات الأكاديمية الغربية المرموقة.

كيف كانت البداية؟

في أوائل التسعينيات ظهرت نزعة في حقل العلاقات الدولية، تشجع تطور النظريات ذات الانعكاس الذاتي «self-reflective» وتُشجّع المزيد من الأصوات العالمية؛ ولهذا فقد احتاج قرابة ثلاث أرباع سكان هذا العالم، والذين يمثلون دول العالم الثالث، لصوت يمثلهم، ويتحدى الهيمنة الغربية الثقافية؛ وهنا ظهرت مدرسة ما بعد الاستعمار «post colonialism» متأثرةً بكل التيارات النقدية ابتداءً من الماركسية مرورًا بالنظريّة النقدية الدوليّة، ونظرية ما بعد الحداثة.

في الواقع، إن ظهور مدرسة ما بعد الاستعمار، لم يكن حكرًا على العلوم السياسية، بل على العكس بدأ رواد المدرسة بتحليل العلاقات الثقافية، والتاريخية، والمادية، والجيوغرافية ما بين العالم الغربي، وما بين الشرق. ويعتقد أنه قد جاء كرد فعل على ما وصفه الفيلسوف الماركسي جرامشي بالهيمنة الرأسمالية، ولا يمكننا أن ننفي تأثر مدرسة ما بعد الاستعمار بأفكار ماكس هورخيمر. النقدية، وأدوات جاك ديريدا اللغوية، أو إشكالية «السلطة- المعرفة» التي أسهب فوكوه في تفسيرها.

إن طبيعة نظرية ما بعد الاستعمار، تحاكي الماركسية في وصفها للاضطهاد، كما أننا نستطيع إيجاد ارتباط وثيق بين نظرية ما بعد الاستعمار، وبين النظرية النسويّة؛ حيث تعملان معًا على دمج نساء العالم الثالث، في مشروع المرأة التحرري، ففي حين يعمل أنصار النظرية النسوية على تحرير المرأة من سلطة واضطهاد وهيمنة الرجل، يعمل أنصار نظرية ما بعد الاستعمار على إدماج نساء العالم الثالث بالحركة النسوية العالمية، ومساواتهن مع نظيراتهن في الغرب؛ بهدف تحريرهن من الصورة النمطية المهيمنة، والتي تجعل من نساء العالم الغربي، أجدر بالتحرر من نساء الشرق «البربريات».

منذ بداياتها ركزت مدرسة ما بعد الاستعمار على الاضطهاد الذي انتهجته الدول المُستعمِرة، والذي أدى لنتائج تتعلق بتغيير الثقافة، والهوية، وأدى لتشكيل نوع من الممانعة «resistance»، كما حاول رواد المدرسة كشف النقاب عن زيف أكذوبة المهمات الحضارية «civilizing mission»، التي كانت الدول الاستعمارية تتخذها باعتبارها ذريعة للاستعمار، في حين أن ممارساتهم في الدول المُستعمَرة كانت تعاكس كل القيم الحضارية مثل «الحرية، والمساواة، والاحترام».

ما بعد الاستعمار الاستشراق وأنظمة الحقيقة

يظن من يقرأ مصطلح ما بعد الحداثة، أنه يشتمل على بُعدين؛ أولهما مكاني يشمل على المستعمرات السابقة، وثانيهما بُعد زماني، وهو المرحلة الممتدة منذ ظهور حركات التحرر من الاستعمار إلى وقتنا هذا ، والحق أن هذا من الأخطاء الشائعة؛ لأن المصطلح يهتم بدراسة العلاقات بين الدول المستعمرة، ومستعمراتها السابقة، وهذا يُسقط ادعاءات البُعد المكاني للنظرية، أما بالنسبة للبُعد الزماني فإن تعبير «ما بعد Post» والذي يدل لغويًّا على انتهاء الخط الزمني للاستعمار، وابتداء خط جديد، فهو في واقع الأمر لا يُعبر أيضًا عن افتراضات النظرية؛ لأن أنصار النظرية ومنهم سبيفاك وآخرون يعتقدون بأن الاستعمار قد تحول لشكل جديد «Neo colonialism» خاصة وأن الدول الاستعمارية قد جعلت من مستعمراتها القديمة تدخل في النظام الرأسمالي العالمي، الذي تهيمن هي عليه؛ وبهذا فإن شكلًا جديدًا من الاستعمار، قد ابتدأ يحكم علاقة الاثنان «المُستعمِر» و«المُستعمَر».

هنا لا بد من الإشارة إلى أن مدرسة ما بعد الاستعمار، وإن كانت تهتم في حالة عدم التكافؤ والهيمنة الماديّة، إلّا أن اهتمامها الرئيسي يصب في حالة الهيمنة الثقافية، وإعادة تشكيل الهويات، وظهور ما يسمى بالهويات الهجينة باعتبارها نوعًا من أنواع الممانعة لهيمنة الاستعمار الثقافي.

إن التحليل الذي يتبعه أنصار نظرية ما بعد الاستعمار يعتمد بشكل رئيسي على افتراضات فوكوه حول إشكالية السلطة والمعرفة، وكل ما يحيط بها من مفاهيم إبستمولوجية مغلوطة، وقد أسهبت في شرح هذه الإشكالية في العديد من المقالات السابقة، حيث إن المفاهيم المسيطرة على معرفتنا لم تتشكل بشكل موضوعي، ولا بمعزل عن القوة المادية، حيث إن الحقيقة هي ما يحدده من يمتلك زمام السلطة، والتاريخ يكتبه المنتصرون.

إن افتراضات فوكوه وجرامشي من قبله، تمثل حجر الأساس الذي بنى عليه إدوارد سعيد تعريفه لمفهوم الاستشراق الذي اختاره عنوانًا لأشهر مؤلفاته، ووصفه بأنه «ضوابط ممنهجة استطاعت الثقافة الأوروبية بموجبها التحكم بالشرق، وإعادة إنتاجه سياسيًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا، وماديًّا، وعلميًّا، وأيديولوجيًّا للدرجة التي مكنتها من السيطرة على تصوراته خلال فترة ما بعد التنوير».

إن الشرق الذي صوره سعيد يفترض دائمًا وجود الغرب في المقابل؛ وبالتالي فيفترض وجود الـ«هم» و«نحن» وهو ما يُذكرنا بالهويات، والفصل بين الداخل والخارج، كما يذكرنا بكل تأكيد بنظرية صِدام الحضارات التي افترضها صامويل هانتغتون، والتي رد عليها إدوارد السعيد ردًا لاذعًا في محاضرة مطولة.

حيث إن سعيد يدعو إلى حوار بين الحضارات، يتعرف الغرب من خلاله على هوية الشرق، في سبيل محو صورة الشرق النمطية التي رسمها المستشرقين، وعززتها وسائل الإعلام، بدلًا عن محاولة التحكم في هوية الشرق، وترسيخ تلك الصورة النمطية.

وهنا يمكن أن نلحظ الجانب الكوزمابولتي «الأممي» في مؤلفات سعيد، الذي لم تكن أصوله العربية أو مرتبته العلمية في جامعة كولومبيا المرموقة هي مصدر شهرته، بقدر ما كانت قيمة مؤلفاته، ومناظراته التي تركت أثرًا كبيرًا في حقل العلاقات الدولية.

وبالعودة إلى نظرية ما بعد الاستعمار، فإن الطبيعة النقدية للنظرية، دفعت بأنصارها لمحاولة زعزعة ما يُسمى بأنظمة الحقيقة «regimes of truth» التي تتحكم الدول صاحبة القوة، والتفوق المادي فيها «الدول الغربية»، وهكذا فإن تلك الدول تستخدم أنظمة الحقيقة لتولد بواسطتها روايات، وحججًا، ومفاهيم تضفي طابع الشرعية على تدخلها بالدول الأفقر «دول العالم الثالث»، وتمنح لنفسها الأفضلية بفرض النظام الذي تراه مناسبًا على تلك الدول «مشروع نشر الديمقراطية مثالًا» لتشابه بذلك أكذوبة المهمات الحضارية «civilizing mission» التي أشرت إليها سابقًا في هذا المقال.

إذًا فإن التسميات وإن اختلفت، إلّا أن الهيمنة وحالة عدم المساواة خلقت نوعًا جديدًا من الاستعمار، وهذا ما يدفع برواد النظرية للقول بأن كلمة «ما بعد»، لا تعبر عن انتهاء الحالة الاستعمارية، بل تعبر عن تحولها من شكل لآخر؛ وهذا بسبب تحكم الدول الغربية بأنظمة الحقيقة، وينبغي الإشارة إلى أن آخر منتجات أنظمة الحقيقة هي اعتبار دول الشرق مرتعًا للإرهاب الدولي، وتهديدًا لاستقرار الغرب الداخلي، والذي أفضى إلى شرعنة أي تدخل محتمل في تلك الدول.

الهوية والهوية الهجينة باعتبارها نموذجًا للممانعة

تحمل الهويات أهمية مركزية في نظريات العلاقات الدولية، وعلى رأسها نظرية ما بعد الاستعمار؛ لأن الهوية في هذه النظرية، لم تأخذ وظيفة تحديد الشرق، وفصله عن الغرب وحسب، إنما أخذت تعبر عن حالة من رفض الهيمنة والممانعة أيضًا، حيث إن محاولات الدول الاستعمارية لتغييب أو إعادة تشكيل هويات الدول المُستَعمرة لم تفض إلى النتيجة المطلوبة، بل على العكس فقد خلقت هوية هجينة «Hybridity» تأخذ من الهوية التي يفرضها المستعمر، وتحافظ في ذات الوقت على خصوصيتها، وهو ما أشار إليه أشيس ناندي في كتابه «العدو الحميم: خسارة واستعادة الذات تحت الاستعمار».

لفهم ظاهرة الهوية الهجينة، يمكننا إسقاطها على علاقة الجزائر وفرنسا على سبيل المثال، فعلى الرغم من المحاولات المستميتة للاستعمار الفرنسي، لإعادة تشكيل هوية ووعي الشعب الجزائري بذاته، وصولًا إلى محاولات تغيير لغته، إلّا أن كل تلك المحاولات لم تفض إلى تحقيق هدفها المنشود.

لذا وعلى الرغم من تأثر الجزائر باللغة، والثقافة، والهوية الفرنسية، فإن الهوية الجزائرية لم تتماه مع الهوية الفرنسية بشكل كامل، ولا يصح في نفس الوقت أن نقول إن الهوية الجزائرية لم تتأثر بالاستعمار الفرنسي، حيث إن الهوية التي تمتلكها الجزائر حاليًّا هي هوية هجينة، وهي تُعبر بشكل أو بآخر عن شكل من أشكال الممانعة الثقافية، في وجه محاولات المستعمر؛ لإعادة تشكيل هويتها وفق هواه.

وفي نفس السياق فقد اعتبر الأكاديمي هومي باهابها أن ظهور هذه الهوية الهجينة تنقل الدول التي تقع تحت الاستعمار من دور الضحايا المغيبة، إلى دور القادرين على التأقلم بشيء من الإبداع، والتغلب على الرموز، والتفسيرات، والروايات التي يحاول المستعمر فرضها.

يبقى أن نفهم أن الخيار الثاني الذي يمكن أن تنتهجه الدول المستعمرة، هو الممانعة من خلال محاولة فرض العودة إلى هويتها الأصلية، والتي يمكن أن تكون قومية أو دينية، أو عرقية… إلخ، ويحذّر رواد مدرسة ما بعد الاستعمار إلى أن انتهاج نهج مماثل سوف يؤدي إلى أشكال متعددة من العنف؛ وهو ما يفسر العنف الذي يتبعه الأصوليون الإسلاميون من أمثال تنظيم القاعدة، والذين رفضوا تلك الهوية الهجينة، واختاروا العودة إلى أصول هويتهم الدينية – كما يرونها -.

إن محاولات ممانعة المستعمر بهذه الطريقة سوف تؤدي بكل تأكيد إلى ارتكاب مجازر تطهير عرقي، أو إلى عمليات تهجير بأقل تقدير، حيث يحذر سعيد إن العناصر الذين يرفضون هذه الهوية الهجينة على حساب هوياتهم الجوهرية «essentialist» سوف ينتهجون منهجًا عنفيًا في سبيل مقاومتهم لهذا الاستعمار الجديد؛ لذلك فإن العديد من رواد مدرسة ما بعد الاستعمار، ورواد المدرسة النسوية ومنهم هوكس يحذرون من تلك الأصولية؛ لأنها يمكن أن تستخدم باعتبارها مبررًا لجعل العنف شرعيًّا.

لقد دعا الكثيرون ومنهم القسم الهندي من رواد ما بعد الاستعمار أو ما يعرف بمجموعة «The Subaltern Studies Group of Indian historiography» إلى انتهاج المنهجية الأولى، والتي تعد شكلًا أكثر سلمية من الممانعة، وتمكن الدول الواقعة تحت الاستعمار الجديد من دحض كونية أو عالميّة أنظمة الحقيقة، التي يحاول فرضها، حيث يشير مبيمبي إلى أنّ النضال الجزئي «Micro-struggle» الذي تقوم به الدول الخاضعة لتأثير الاستعمار بشكل يومي، يعد كافيًا لممانعة الهيمنة الثقافية الغربية.

يمكن للقارئ أن يفهم في ضوء هذه الدعوات أن مدرسة ما بعد الاستعمار كغيرها من المدارس النقدية، تدعو لمراجعة الحالة القائمة من عدم المساواة المادية، والبنيوية، والتي تؤدي إلى هيمنة الغرب على الشرق إبستمولوجيًا «معرفيًّا، وثقافيًّا، واقتصاديًّا»، وتجعله قادرًا على التحكم فيه من خلال أنظمة الحقيقة؛ حيث إن الغرب يقرر ما هو الواقع الذي يجب أن يكون الشرق عليه.

وكما ذكرت سابقًا فإن جهود رواد هذه المدرسة لم تقتصر على السياسة والعلاقات الدولية وحسب، وإنما طالت الجوانب الاجتماعية مثل الأزمات الاقتصادية الآسيوية، وعمالة الأطفال، والاتجار بالجنس، ومع أن كلًّا من البعدين السياسي والثقافي يظهران بشكل مهيمن على مؤلفات راود هذه المدرسة، إلا أن التنوع الذي تطرحه نظرية ما بعد الاستعمار يعد واحدة من ميزاتها الأساسية، والتي تفتح أفقًا واسعة لتطورها وانتشارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد