كان غريبًا أن تقابل إحدى زميلاتها بعد فترة ليست بالقصيرة دون أن تسلم عليها يدًا بيد، فقد اكتفت بإلقاء التحية من بعيد مُلوّحة بيدها. سُمية – التي اعتادت أن تتبادل القبلات مع من عرفت ومن لم تعرف، أربع قبلات على الأقل على جانبي الوجه – فقط قد اكتفت بالإشارة من بعيد. ولو أخبرني أحدهم أنها قد رشّت يديها بالكحول أو معقم آخر بعدما لوّحت بهما، لما شككت في كلامه.

لابد أن ثمةَ أمرًا جلل قد طرأ، هذه ليست عاداتنا ولا تمت لتقاليدنا بصلة لا من قريب ولا من بعيد. نعم، لقد بات الأمر أخطر من أن يتجاهله أحد أو يتناساه!

لقد شاهد الجميع أعدادًا لا بأس بها من الموتى – يرحمهم الله – والمصابين بأعينهم. الخطر هذه المرة لا يُرى، وقد ينتقل إليك في أية لحظة دون سابق إنذار.

طبعًا أنا لست بصدد تخويفك من كورونا، نحن جميعًا في غِني عن ذلك. لكن دعنا نستعرض بعض النقاط الإيجابية التي خلّفتها الأزمة، سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي.

العادات الصحية

أولها بطبيعة الحال كما ذكرت آنفًا هو الاهتمام بالنظافة الشخصية والحفاظ على سلوك فردي وجماعي يعصم الجميع بقدر الإمكان من انتقال الفيروس، بداية من إلقاء التحية وتبادل الزيارات أو حتى أثناء التواجد في مقار العمل. وقد انتشر مصطلح التباعد الاجتماعى (social distancing ) بين معظم الفئات تقريبًا، وأصبح الجميع على قدر كافٍ من الوعي بأهميته.

العمل من المنزل

ثانيًا، فلا يخفى على أحد النقلة النوعية التي حدثت على مستوي العمل من المنزل (Working from home).. إذ كان الأمر مؤخرًا يقتصر على شركات التقنية، وكذلك أصحاب العمل الحر على الإنترنت.

لقد صار مستساغًا أن يعمل الموظفون الحكوميون من منازلهم، كل ما تحتاجه هو جهاز كمبيوتر، واتصال جيد بالإنترنت، لتنطلق في ممارسة مهامك تمامًا كما لو كنت بالمكتب.

صحيح أن الكثير ممن ترتكز أعمالهم على الإنترنت يعانون من متلازمة المكوث بالمنزل، حيث يصير البيت هو مكان العمل، والنوم، والترفيه، وتناول الطعام… إلخ، لكن يمكن التغلب على ذلك بتخصيص مساحة معينة أو غرفة خاصة للعمل وتهيئتها بالكامل لأجواء المكتب.

التعلم عن بعد

وفى هذا الاتجاه ينبغي أن نشير أيضًا إلى التعلم عن بعد (Distance learning)، فقد أجبرت الأوضاع الحالية الطلاب وغيرهم على الدراسة من خلال حواسيبهم الشخصية دون الاكتفاء باللقاءات المباشرة مع المحاضرين.

الأمر أيسر مما تتخيل، بل ربما هو مناسب للأشخاص الانطوائيين الذين لا يميلون إلى القاءات وجهًا لوجه. شخصيًا كنت أستثقل فكرة الـ(online meetings)، لكن مع اللقاء الأول صار العمل مثمرًا وممتعًا، خاصة مع توفر تطبيقات مثل (Google meet).

إعادة اكتشاف العائلة

مع بداية قرارات المكوث بالمنزل، انهمرت الإعلانات، سواء على التليفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعى ساخرةً مما ستصير إليه الأمور… الزوج لا يكاد يفارق زوجته، هو مجبر في كل الأحوال على سماع صوتها وشكواها، بل ومشاركتها في ذلك.. الأبناء سيمارسون اللعب والصراخ ونشر الفوضى بالمنزل وأنت ستتحمل ذلك لا محالة.. فقط تَحلّ بالهدوء قدر الإمكان.

لكن لم يلبث ذلك طويلًا حتى اكتشف الجميع أنهم بالفعل كانوا يُفوّتون وقتًا ثمينًا دون المشاركة الفعلية بالمنزل.. الحياة الروتينية اليومية قد شغلتهم بالفعل عن اكتشاف أهلهم وذويهم والتودد إليهم أكثرَ وتقوية روابط الأسرة.

حسنًا، وإن عادت الأمور إلى طبيعتها فلا أعتقد أن أحدًا سيفرط بعد ذلك في واجباته التي ربما هي حقوقه داخل أسرته.

أهمية دور الأطقم الطبية

ومن الأمور المهمة فعلًا التي استجدت من جرّاء انتشار هذا الوباء هو إعادة النظرة إلى الأطباء، وأطقم التمريض، وغيرهم من العاملين بالمجال الصحي باعتبارهم الملاذ والملجأ وقتما يحدث ما لا يحمد عقباه.
هذا بلا شك شيء جيد، خاصة أنه للأسف قد عمت مؤخرًا حالة من الفوضي في الذوق والاهتمامات المجتمعية صعد على أثرها من لا يستحق، بل أصبحوا رموزًا ومُثلًا عليا لكثير من الأطفال والشباب.

وقد شاهد الجميع بأم أعينهم ما يبذله العاملون في المجال الصحي من تضحيات فعلية وقت الأزمات مُعرضين أنفسهم وذويهم لخطر محدق قد يطولهم – لا قدر الله – إن غفلوا لحظة.

لقد استحقوا تكريمًا حقيقيًا في كل بلدان العالم والجميع يدين لهم بالفضل دون إنكار.

أخيرًا لا بد أن نذكر بالثناء المؤسسات الخيرية التي علت أسهمها أثناء الأزمة الحقيقة.. طبعًا لسنا بصدد الحديث عن أسماء بعينها، لكن على أية حال ينبغي الإشادة بهم.

إلى أن نلتقي في أزمة أخرى! ( أقصد مناسبة أخرى).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد