كان ولا زال العالم يتحدث عن ماهية الخريطة الجيوسياسية الجديدة دوليًا في عالم ما بعد كورونا، فهل فعلًا العالم بحاجة لهذا التغير! هل سيتغير النظام العالمي الجديد بعد وباء كورونا؟ وهل استعمل وباء كورونا كانتقام من الصين لعدم وجودها في مجموعة G7؟ هل استبعاد روسيا من المجموعة بعد احتلالها شبه جزيرة القرم من أوكرانيا سبب لوقوفها مع الصين وإيطاليا لإعادة تشكيل النظام الدولي الجديد، هل ستتضرر الدول التي أصابها كورونا اقتصاديًا، وسيتم إبعادها من المجموعة لفتح المجال لدول أخرى كالصين، روسيا؟ هل تتنازل أمريكا عن الزعامة العالمية للصين، أم أنها لن تتنازل بسهولة ولو ألزمها ذلك حربًا عالمية جديدة؟ هل استفادت أمريكا من هاته الفترة لزيادة احتياطاتها من النفط في ظل انهيارات الدول اقتصاديًا وانخفاض أسعار البترول؟ هل سيتأثر الاتحاد الأوروبي وستكون هنالك تفككات داخلة كلها أسئلة ستجيب عنها الأشهر القادمة بعد ذهاب الوباء؟

في الحقيقة إن طرح مجموعة من الأسئلة يسهل أن نصل إلى نتائج نحلل عليها ما يجري على الساحة الدولية من تضارب في التصريحات بين زعماء الدول، فالوباء الذي أغلق جميع المنافذ الدولية، واستطاع أن يرغم الشعوب على الرضوخ ولإعادة تعريف العولمة بمفهومها الجديد وتحويل الشعوب من دول تسعى للسباق نحو التسلح، وامتلاك أسلحة متطورة، إلى شعوب تسعى لتطوير منظومتها الصحية في إعادة لأولويات ميزانية الدول، كما أن هذا الوباء أثبت أن القوى العالمية لديها نقاط ضعف، أظهرها نقص في العتاد، ونقص خبرة في التعامل مع الأوبئة، حكومات دول لم تستطع المقاومة؛ فانهار وزير الصحة الهولندي وهو يقوم بإعطاء توضيحات أمام البرلمان، وتهجم ترامب على الصحافيين في إحدى ندواته الصحافية، وأصاب الوباء رئيس الوزراء البريطاني جونسون، وكلف المستشارة الألمانية حجرًا لشكوك حول إصابتها، كلها أمور تدخل في إطار التحضير الدولي لما بعد كورونا.

الوباء ضرب العمود الفقري للعلاقات الدولية! هل سيشكل أنظمة سياسية جديدة

لقد شكل هذا الوباء نقطة تحول لعديد العلاقات بين الدول فوجدنا التضامن الدولي بمساعدات سلمت للدول النامية وحتى المتطورة منها نظرًا لعدم قدرتها  السيطرة على الفيروس، فانهار الاقتصاد الإيطالي، وتأثرت الشركات الألمانية، وغلقت البنوك الأمريكية، فما كان للعالم إلا أن يتفق على أن يتضامن ويتضافر في الجهود لإيجاد آليات وحلول الأزمة فخصصت ميزانيات ضخمة وكانت الصين أول مصدر للوازم الطبية والمعدات حيث كانت مطاراتها ملجأ الدول للحصول على الكمامات وأجهزة التنفس وأجهزة قياس الحرارة فزاد الطلب وكان للصين أن تمنح الاولية لزبائنها وشركائها وتكون سندًا لهم، روسيا دولة ضلت تصارع لدخول أقوى الاقتصادات العالمية والفرصة قد تأتي عن طريق عدم تضررها كثيرًا بما يجري مقارنة بإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا، فراحت ترسل المساعدات إلى إيطاليا ودول أخرى، وإرسال فرق طبية من أجل كسب المزيد من التحالفات مستقبلًا.

‏أصبح يقال ويشاع بأن العالم بعد جائحة كورونا سيتجه إلى الاندماج والتحالف والتضامن، حيث ستذوب دول داخل دول أخرى. وكثر الحديث عن اندماج ما بين أستراليا ونيوزيلندا! فهل سنرى في شمال أفريقيا والخليج العربي اندماجات وتحالفات واتفاقيات لتوحيد الاقتصادات وفتح الحدود وقرارات سيادية خارج أو داخل الحدود الجغرافية، أم لا؟ أم سستسعى كل دولة للمحافظة على جانب التضامن والمساعدة فقط؟

الاتحاد الأوروبي ما بعد كورونا

حسب التصريحات للمستشارة الألمانية ميركل التي قالت إن هذا سبب خطرًا كبيرًا، فإنه وحسب رأيي أن الاتحاد الأوروبي يواجه أزمة سياسية منذ ما يقرب من عقد تقريبًا، هناك حالة من الضجر بين دول مختلفة داخل الاتحاد. أسهمت تلك الحالة في صعود اليمين الشعبوي في إيطاليا، واليونان، وبولندا، والمجر، وغيرها من الدول الأوروبية، في ظل ذلك التوتر السياسي اجتاح فيروس كورونا أوروبا، كان العالم ينتظر ألا يؤثر الفيروس كثيرًا على الدول الأوروبية، فمعظم الدول هناك تمتلك منظومة جيدة من الرعاية الصحية، لكن الفيروس وجد طريقه لكبار السن في قارة تشتهر بزيادة معدلات الأعمار، بالتالي يتحكم الاقتصاد في النهاية في بقاء الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي. لكن وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعانيها العالم جراء تفشي كورونا فإنه من الصعب في الوقت الحالي توقع أي مستقبل ينتظر الاتحاد الأوروبي. يرتبط ذلك المستقبل بالقدرة على إظهار القوة والتضامن الاقتصادي في إنقاذ الدول المتضررة بشكل كبير، وهو ما قد يجعل تلك الدول الغاضبة الآن من تأخر الاستجابة الأوروبية للوباء تضع ذلك الغضب جانبًا من أجل الاستفادة من المساعدات الاقتصادية من الدول الأغنى، وتحديدًا: ألمانيا وفرنسا.

الأسئلة ستجيب عنها الأيام القادمة؛ لأنها ستكون تحديًا حقيقيًا لعالم ما بعد كورونا.

تتشابه كورونا كثيرًا مع الأزمة المالية العالمية التي أصابت العالم فيما يخص التحديات المستقبلية، خصوصًا أن دولًا عديدة ستخرج منهكة من حرب واجهتها كما صرح الرئيس الفرنسي ورفع من حالة الطوارئ، وستعرف ما يسمى إعادة هيكلة لاقتصادها، خصوصًا أن الوقت الحساس الذي سيكون فيه الوباء ما بين النهاية، أو الاستمرار في فصل يعرف انتعاشًا للسياحة العالمية وبرفع للحجر في بعض البلدان الذي يعتبره بعض المحللين مجازفة، ويعتبره البعض الآخر أنقاضًا الاقتصاد من فشل بعد تحذيرات منظمة العمل الدولية في أن نسبة البطالة ستشكل ارتفاعًا غير مسبوق، وسيفقد الكثير من الأشخاص مناصب عملهم.

في الختام تواجه جميع الدول تحديات، وإن بقاء أية دولة على الهامش سيجعلها عرضة لضربات من الجانبين الصيني أو الأمريكي، ودخول الدول في أحد هذين الحلفين سيعطي دفعة قوية لهم. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد