كورونا؛ الكائن المجهري الذي اخترق الحدود، تهديد بيولوجي عابر للأوطان، لا يمكن التنبؤ بزمان وقوعه ولا حصر مكانه، سريع الانتشار، لا يفرق بين الدول العظمى، أو الضعيفة، ولا يميز بين تلك القوى الصاعدة، ولا تلك الدول الفقيرة، الكل في كفة واحدة. يصيب الإنسان فقد أباد 23 ألف و621 شخصًا من بين 796 ألف و522 مصابًا لحد الساعة.

كما أصاب الإنسانية واستطاع القضاء على كل مظاهر التكافل في بعض الدول التي صدعت رؤوسنا بالتنظير للإنسانية وحقوق الإنسان، فإيطاليا التي تعتبر من بين أكثر الدول إصابة لم تجد أي تكافل من جيرانها في الاتحاد الأوربي، كما أن الفيروس استطاع تغيير نظرة المتابع للدول الكبرى، وكيفية حماية الشعوب ومدى ثقة الشعوب في حكوماتها، فمثلًا الصين الشيوعية المنغلقة التي يحكمها الحزب الشيوعي الصيني في ظل نظام الحزب الواحد والتي يعيش على أراضيها 1.3 مليار نسمة استطاعت السيطرة على الفيروس وصنعت الاستثناء 81 ألف و285 مصابًا 74 ألف و51 منهم تماثلوا للشفاء، في حين توفي 3287 شخصًا.

أما أمريكا المنفتحة فلم تستطع فعل شيء، بالرغم من الإمكانات الجبارة التي تملكها حيث سجلت 80 ألف و104 حالة لم يشف منها سوى 1864 شخصًا، وبإجراء مقارنة بسيطة بين الدول ذات النظام المنغلق وتلك الدول ذات الأنظمة المنفتحة كدول أوروبا، وكندا، وأمريكا، نجد أن الأنظمة الأكثر استعدادًا في مكافحة هذا النوع من الحروب والقادرة على حماية شعوبها هي الأنظمة المنغلقة بسبب ثقة الشعب في الحكومة وجدية التعامل مع الأزمات.

أوروبا ذكرتنا ببعض تفاصيل العصر الذهبي للقراصنة وكأننا نروى مشاهد من كتاب «تاريخ عام عن القراصنة»، المنشور في عام 1724 من قبل القبطان تشارلز جونسون، حيث اعترفت جمهورية التشيك بالاستيلاء على شحنة كمامات من الصليب الأحمر من مقاطعة تشجيانج الصينية موجهة إلى العاصمة الإيطالية روما كما اعترفت جمهورية التشيك أنها قامت بالاستيلاء على شحنة من المعدات الطبية 680 ألف قناع وأجهزة تنفس، كانت موجهة من دولة الصين لدعم إيطاليا لمواجهة فيروس كورونا المستجد مبررة الأمر بأنه «سوء فهم»! ومؤكدة في نفس الوقت بأنه لا مجال لإعادة المعدات بعدما تم توزيعها على المستشفيات في البلاد.

أما وزير التجارة التونسي محمد المسيليني يصرح بأن إيطاليا قامت بالاستيلاء على باخرة محمّلة بكحول طبي قادمة من الصين، كانت في طريقها إلى تونس في نفس السياق اختفت 6 ملايين كمامة من طراز (FFP2) مخصصة لألمانيا للحماية من فيروس كورونا كانت ستشحن إلى ألمانيا من مطار بكينيا. 

العالم العربي وكورونا!

أما العالم العربي ففقد البوصلة وأضاع الطريق بعد أن كان رائدًا في عصور غابرة فأصبح مستلحق بالغرب يشحت التكنولوجيا والدواء وحتى الغذاء مقابل الثروات وهو الآن ينتظر إلى أن يتم اكتشاف الدواء؛ لأن المنظومة الصحية في هذه البلدان ترقد في غرف الإنعاش.

زِد على ذلك عدم ثقة الشعوب في الأنظمة جعلت الأزمة أزمتين لأن الشعوب بالرغم من تطمين الأنظمة لها بتوفير كل ما يتعلق بالمواد الغذائية اشترت مخزونا غذائيا يكفيها ليس فقط 14 يومًا، بل لسبات ستة أشهر هذا ما ترتب عنه أزمة غذائية ومن جهة أخرى المضاربة واستغلال الوضع لخلق الثروة على حساب المواطن البسيط.. أما الشعوب التي تعيش على نظرية المؤامرة فهي منقسمة بين مصدق ومكذب محتاط وغير مبال وهي تنتظر مصيرها.

هل سنعيش في عالم ما بعد كورونا؟ 

العالم بعد أن أصبح قرية صغيرة متلاحمة بفضل العولمة Globalization سيصبح قرى متفرقة بفضل «الكورنة» CORONIZATION، سنروي للأجيال القادمة عن حالة الخوف والهلع التي عشناها عن الحجر الصحي لمدة 14 يومًا تحت شعار (stay at home) «اقعد في دارك» هل سنحدثهم عن صيغة الآذان التي كلما سمعناها دمعت العين وانقبض القلب. سنحدثهم عن الشوارع الفارغة والمحلات والمطاعم المغلقة، هل نخبرهم عن ارتفاع الأسعار فجأة وندرة الوسائل الطبية من أقنعة والقفازات وغيرها؟

سنحدثهم عن إخفاء السلع للمضاربة، سنحدثهم عن ذلك الذي يشتري المواد الغذائية بكميات كبيرة، وكأنه هو وحده المتضرر، سنحدثهم عن جشع الكثير من الناس في الحروب نسميهم أثرياء الحرب، لكن سنسميهم أثرياء كورونا كما سنخبرهم أن البلد الذي بدد 1500 مليار دولار لا يملك سوى 400 سرير إنعاش، سنروى لهم كم كانت حياتنا هادئة وبسيطة! كم اشتقنا لها لأننا ببساطة لا نعرف قيمة الأشياء إلا بعد فقدانها!

اللهم إنا نعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام، ومن سيئ الأسقام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العولمة
عرض التعليقات
تحميل المزيد