صراعات تدور رحاها على سوح الاقتصاد والمعرفة التكنولوجية والعالم الرقمي

كثر الحديث مؤخرًا عما سيؤول إليه العالم بعد أزمة كورونا، وبرزت العديد من التساؤلات فيما إذا كنا سنشهد عالمًا مغايرًا بعد هذه الأزمة. وهذا فعلًا ما سيحدث. فقد جاءت هذه الأزمة مغايرة لجميع الأزمات التي مر بها العالم سابقًا، حيث جاءت في خضم ثورة تكنولوجية غير مسبوقة في طبيعتها وتأثيرها على العالم برمته، وفي ظل نطاق واسع من الاعتمادية الدولية. لذا فإن هذه الأزمة ستلقي بظلالها على جميع دول العالم بلا استثناء، بما سيمثل حافزًا قويًا للدول على أن تعيد النظر في ثلاثة مناحٍ أساسية تتجسد بالسياسة الخارجية والاقتصاد والأمن القومي.

فالعالم بعد أزمة كورونا سيخرج منهكًا وقلقًا يسعى نحو تحقيق الاستقرار لضمان عدم خروج تبعات أزمة كورونا عن السيطرة إلى ما لا تحمد عقباه. وقد مر العالم بمثل هذه الحالة من الإنهاك والقلق عقب الحرب العالمية الثانية، غير أن النظام الدولي حينها لم يكن يحظى بالفرص التي تتيح له أن يرسم طريقًا مختلفًا عن الطريق الذي كان يسير فيه على خطى النظام العالمي الذي حددت معالمه اتفاقيات سلام ويستفيليا عام 1648. لقد خرج العالم بعد الحرب العالمية الثانية بنظام ثنائي القطبية وكانت للولايات المتحدة القدرة الاقتصادية على قيادة المؤسسات الدولية الاقتصادية – بريتنوودز والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقية التجارة العالمية… إلخ – وقيادة المؤسسات العسكرية الدولية مثل حلف الناتو.

ومن ثم تحول النظام العالمي إلى أحادي القطبية عام مع انهيار الاتحاد السوفيتي 1989. أما اليوم فالانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من لعب الدور القيادي بالعالم والتركيز على تعزيز اقتصادها الداخلي خلق فراغًا في نطاق القوة لا يمكن لأية دولة أو فاعل دولي أن يملأه، خاصة مع توزع القوة بين مجموعة من الفاعلين الدوليين الحكوميين وغير الحكوميين، إضافة إلى مناخ العولمة وأدواتها التي ترفع من مستويات القلق لدى الدول وتوسع إمكانات خلق حالة الإرباك على الساحة الدولية إلى مدى يفوق قدرات الدول على احتوائها. لذا فإن أزمة كورونا اليوم ستنتج دولًا قائمةً في عالمٍ هشٍ يسعى إلى تحقيق الاستقرار بنظام دولي يكفل عدم الوقوع بفخ الأزمات وعواقبها الكارثية على أمنها القومي مرة أخرى.

وكما أسلفنا، فإن دول العالم ستعمل عقب أزمة كورونا على إعادة النظر بسياساتها الخارجية والاقتصادية وسياسات تحقيق أمنها القومي، فمما لا يخفى على الجميع فإن أزمة كورونا قد مثلت تهديدًا مباشرًا للأمن القومي في جميع البلدان التي عانت من الأزمة. فعلى صعيد سياسات الدول الخارجية، ستحظى العلاقات الدولية الثنائية بحصة الأسد من عملية المراجعة، حيث سيكون لاتفاقيات التجارة الخارجية الثنائية بين الدول كلمة فصل. ومن جهة أخرى سيتحتم على الدول أن تسعى نحو الشراكات العلمية والثقافية في مجالات البيئة والعلوم الطبية والصحية.

وهذا ما سيغير تسلسل الأولويات على قائمة المصالح القومية للدول، حيث ستقل أهمية الامتدادات العرقية والدينية والجغرافية والثقافية بين الدول لتبرز أهمية الشراكات الإستراتيجية والمصالح المشتركة، بما سيعمل على تغيير خارطة التحالفات الدولية. أما على صعيد السياسات الاقتصادية، فالخسائر التي تكبدتها الدول نتيجة تباطؤ عجلة الاقتصاد بسبب أزمة كورونا وارتفاع نسب البطالة ستؤدي إلى ارتفاع الدين الخارجي والداخلي للدولة، بما يثقل كاهل الدولة بعد الخروج من أزمة كورونا، ما لم تكن واحدة من الدولة التي ستنهار كليًا.

لذا سيتحتم على الدول أن تعيد النظر بسياساتها الاقتصادية من خلال خطط قصيرة الأمد تعتمد على تشجيع قطاع الاعمال الصغيرة ريثما يستعيد قطاع الأعمال الكبيرة عافيته على المدى المتوسط في محاولة لامتصاص البطالة بشكل تدريجي متسارع. وعندها ستعمد الدول إلى خفض الانفاق الحكومي والتركيز على ضمان توفر السيولة الكافية لموازناتها التشغيلية بأقل قدر من الدين الداخلي. أما على المدى البعيد، فستعمل الدول على التركيز على الاستثمارات السيادية المأمونة وزيادة الصادرات مقابل خفض ملحوظ في الواردات، وخاصة في السلع التكميلية.

أما على صعيد الأمن القومي، فستدرك الدول أن الأمن القومي لا يمكن أن يكون هدفًا من أهدافها الإستراتيجية وإنما هو مصلحة قومية عليا للدولة تتحقق في ضمن عملية شاملة لتحقيق بقية مصالحها العليا. وستدرك الدول أن الأمن القومي لا يمكن تحقيقه بتضخيم القوة والترسانة العسكرية، وإنما هنالك العديد من النواحي التي يجب العمل عليها من أجل تحقيق أمنها القومي. ففي خضم أزمة كورونا ظهرت الكثير من الفجوات التي تهدد الأمن القومي للدولة، فالجهل على سبيل المثال كان أحد أسباب مقاومة تطبيق الاجراءات الصحية داخل الدولة لضمان عدم تفشي الفيروس بين الناس.

وكذلك البنى الصحية ومدى قدرتها على استيعاب ومواجهة الأزمات، وأيضًا مدى استعداد المؤسسات الخدمية والأمنية على تفعيل دورها في مواجهة الأزمات. وعلاوة على ذلك، برزت أزمة الثقة بين الشعوب وحكوماتها فيما يخص قدرات الدولة في مجال الأمن الغذائي. لذا ستسعى الدول عقب أزمة كورونا على مراجعة قدراتها في تطوير المؤسسات والأجهزة الحكومية من حيث الاستعداد للتعامل مع الأزمات ومواجهتها بما يضمن الاستقرار المجتمعي. وأيضًا ستعمل الدول على مراجعة قدراتها الإنتاجية للمواد الأساسية المعيشية والوقائية ومحاولة تحقيق أعلى نسب من الاكتفاء الذاتي الغذائي والبنى التحتية الكفيلة بربط البلاد بعضها ببعض، سواءً في قطاع المواصلات أو الاتصالات وتحقيق سلاسل توريد عالية الكفاءة.

ومن ناحية أخرى ستنتبه الدول إلى أهمية المؤسسات التعليمية والتثقيفية ومؤسسات المجتمع المدني في مجال تعزيز الأمن والاستقرار المجتمعي، لذا ستعمل الدول على رفع قدرات تلك المؤسسات في مجال التعامل مع الأزمات ومواجهتها من خلال زيادة نطاق طيف الخدمات التي تقدمها تلك المؤسسات للمجتمع.

ويمكننا مما تقدم أن نستنتج أن العالم بعد أزمة كورونا سيشرع بالعمل على وضع نظام عالمي جديد يتبلور، من جهة، نتيجة صراعات محمومة بين القوى العظمى التي أنتجها النظام العالمي في عالم ماقبل كورونا تدور رحاها حول من سيتسيد العالم، ليخرج لنا نظامًا عالميًا ثنائي القطبية، تحدد قطبيه الخطوط العريضة للسياسة الدولية. ومن جهة أخرى، سيشهد العالم منافسات محمومة بين بقية دول العالم نحو عقد الشراكات الإستراتيجية النفعية المتبادلة في ظل قطبي السياسة الدولية. ومن المتوقع أن تنتج صراعات القوى العظمى أزمةً حادةً بالنقد على مستوى العالم تنعكس على المنافسات القائمة بين بقية دول العالم بما يعمل على تسريع الخطى نحو قيام نظامٌ عالميٌ جديد عقب صراعات تختلف في طبيعتها عن الصراعات التقليدية التي عرفتها البشرية سابقًا، وإنما ستكون صراعات تدور رحاها على سوح الاقتصاد والمعرفة التكنولوجية والعالم الرقمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد