لعله في بعض الأحيان تكون الأحداث الكبرى في مسار التاريخ لا بد منها بل ضرورية للتطور الإنساني، فعندما ننظر إلى حدث ما – من وجهة نظر إنسانية بحتة – على إنه كارثي، قد يكون هذا الحدث في الوقت نفسه أساسي للتطور التاريخي، فالتاريخ كما يقول هيجل له روح، والأحداث تبعًا لذلك لا تكون عبثية، إذ لا تتصادم الفلسفات المختلفة في عصر ما إلا بتأثير روح التاريخ – Zeitgeist – على أبناء ذلك العصر حتى تظهر لنا الفرضية الجديدة التي تتجاوز – ويجب عليها ذلك – معوقات نجاح الفرضيات السابقة وتتقدم عنها خطوة إلى الإمام لتصبح بذلك روح العصر القادم التي يخضع لها من يعيش فيه وهكذا دواليك.

لا أريد من هذه المقدمة سوى التحضير لما سأدلي به عن أحد الأحداث في القرن العشرين وربما واحد من أهم الأحداث منذ أن عرف بنو الإنسان الحياة الاجتماعية التعاونية بصورتها الحالية ألا وهو الحرب العالمية الثانية، لقد كانت هذه الحرب حقًا نقطة فاصلة في تاريخ البشرية، وهذا يبدو من تأثيرها في نتاج الفلسفة والعلم ما بعدها، في هذا الصدد يقول أحد رواد مدرسة فرانكفورت النقدية ثيودور أدورنوفي كتابه «جدلية التنوير والجدلية السلبية» أن الحضارة والبربرية يسيران معًا بالسرعة نفسها والاتجاه.

لكن ماذا يعني ذلك؟

لنعد قليلًا بالزمن إلى بدايات النهضة الأوروبية وما تلاها من الثورة الصناعية التي لم تكن لتحصل لولا التغير الأكبر الذي حصل في التأريخ الأوروبي ألا وهو الانتقال نحو العقل المطلق في تفسير الأمور والتخلص من الخرافات الدينية كمحرك أساسي للحياة، التي تتدخل بالضرورة في شتى مفاصلها وتضع قيودًا تحدد معها سلوكيات الإنسان المختلفة، الآن – وبعيدًا عن أسباب ذلك التحول – أصبح لا شيء يسمو على العقل ولا حجة تسمو على حجته. لم يكن هذا التحول ليمر بدون تأثيرات واسعة لا حصر لها، إذ أسس – كما قلنا – لبدايات عصر الحداثة، الذي أصبحت معالمه واضحة على ما يبدو لي، لقد آمن فلاسفة هذا العصر بالبرهان العقلي وحده والعلوم الطبيعية – التي كانت تقفز قفزات كبيرة في ذلك العصر- كمحرك أساسي للكون، وآمنوا ببنيات محددة للمجتمعات (لذلك يسمى عصر الحداثة في بعض الأحيان بعصر البنيوية). وبالتأكيد لم يكن هذا الأمر ليمر بدون وجود فلسفات مضادة من هنا وهناك، وربما كانت أشهرها فلسفة المطرقة – كما أُحب تسميتها – لفريدريش نيتشة، وينبغي أن أشير هُنا إلى نقطة مهمة وهو أنه ينبغي علينا أن نحترس من أيّ فهم «أخلاقوي» لكتابات نيتشة، مثلًا أن نعتبره معارضًا يائسًا للأنوار الحديثة أو داعيًا خطيرًا إلى البربرية أو عدوًّا للسامية أو قوميًّا متعصبًا أو جماعويًّا حزينًا ضدّ المكاسب الحقوقية للدولة الليبرالية. تلك أفكار مسبقة أخرى، أو ضروب مريضة من الفضول. – إنّه فقط يمارس «أنوارا جديدة» يدفع بها بعيدًا عن أيّ أنوار سابقة، أن قراءة نيتشة يجب أن تساعدك على تخطي نيتشة نفسه، وإلا فيجب عليك محاولة إعادة قراءة أفكاره بتأنٍّ أكثر.

لكي لا أبتعد كثيرًا عن سياق الموضوع الذي حددت نفسي به، أعود إلى حيث توقفت، لقد كانت فلسفة نيتشة نقدًا شاملًا لما قبلها، إذ لم يكتف بنقد اللاهوت المسيحي كما فعل من قبله من الفلاسفة إنما نقل هذا النقد إلى الأخلاقيات المسيحية التي وصفها بالوضاعة والانحطاط، كما أنتقد فلسفة عصره التي أزاحت الغايات المسيحية للعالم لتترك الإنسان بلا معنى يعيش من أجله.

أما بخصوص الضربة القاضية للحداثة فقد وجهتها بربرية الإنسان وهمجيته تجاه بني جنسه، فذلك الفرد الضعيف البنية مقارنةً ببقية أفراد المملكة الحيوانية الذي لم يكن في يوم من الأيام يفعل شيء سوى الصيد وجمع الثمار والعيش في جماعات صغيرة لقد أصبح قادرًا على شطر الذرة وإبادة البشرية في غضون ثوانٍ معدودة. نعود هنا لما قاله أدورنو بخصوص الحضارة والبربرية، يبدو أن هذه المقولة (بناءً على ما سبق) تبدو صحيحة بطريقة لا تدع مجالًا للشك.

وفق كل هذا جاءت ما بعد الحداثة لتكون نقدًا راديكاليًا لكل ما سبق، فظهرت حركات ما بعد البنيوية كنقيض للبنيوية والتفكيكية لجاك دريدا ونقديات ميشيل فوكو للسلطة والفيمنولوجيا التي أصبحت منهجًا ابستمولوجيًا حديثًا عارض كل من المثالية والتجريبية، فالمعرفة وفقًا له هي لحظة التقاء الوعي الإنساني بالموضوعات الخارجية. كما يمكننا أن نرى في ما بعد الحداثة شيئًا من الرومانسية الحديثة، إضافة لكونها آمنت بالنسبية الجذرية وعقلانية التاريخ وهذا يبدو واضحًا في رؤية فوكو للجنون في العصر الكلاسيكي وما تبعه من معاملة سيئة للمجانين وحجزهم في مصحات عقلية لا تختلف عن السجون، كما أنتقد النظرة الطبية للمريض على إنه موضوع مجرد ومعاملته على هذا الأساس بعيدًا عن النظر إليه ككائن كامل له ذات يجب علاجه من النواحي الاجتماعية والنفسية بدلًا من النظرة البيولوجية المجردة للإنسان. وبدت الحاجة ملحة لإعادة العمل بالنقد النيتشوي للأنوار الأوروبية.

ولعل أحد أهم مميزات هذا العصر هو التعددية الثقافية التي أصبحت – وبفضل الفلسفة- من البديهيات التي نؤمن بها حاليًا فظهرت حركات النسوية والمطالبة بحقوق الأطفال والأقليات العرقية لمحاولة منع الطرف الأقوى من فرض رأيه على الآخرين.

إننا نقف الآن في موضع يحق لنا فيه النظر لكل تلك الأحداث بموضوعية، لقد انتصرت ما بعد الحداثة للسفسطائية التي حاربها سقراط أشدّ محاربة، سقراط نبي الفلاسفة الأول لم يسلم من نقد نيتشة كما نتصر برتراند راسل لأعدائه وبرر في بضع أحيان أقوالهم بالنسبية، في الحقيقة لقد ساهمت التعددية بقصدٍ أو بدون قصد في شيوع الأفكار الهدامة للبناء الإنساني الذي استغرق قرونًا عدة، تلك الأفكار التي لم تكن عملية الانتخاب الطبيعي قطعًا لتسمح لها بأن تمر للأجيال القادمة أصبحت تكتسب درجة من المقبولية لا يمكن الاستهانة بها حاليًا كما يروج لها من خلال وسائل الإعلام كمحاولة للتطبيع معها لتصبح فيما بعد سلوكًا بشريًّا سويًّا، إننا هنا لا ندعو إلى الشمولية بقدر ما ندعو أن يتذكر الإنسان إنه وجد على الأرض ليبني حضارة ويعمرها. كما ساهمت ما بعد الحداثة أيضًا بضعف الدافع الفلسفي الذي كان متقدًا في ما سبق وأصبح فعل التفلسف يُشار به للإشارة إلى الكلام الفارغ الذي لا يجدي نفعًا ولا يعول عليه. وأصبحت شخصيات الإبطال السينمائية تصور العواطف الإنسانية والاندفاعات الغريزية تبدو وكأنها شيء لا بد منه في محاولة لمحو التراث التاريخي وإعادة صياغته كما لو أن الأفكار الحالية قد ساد أيضًا في العصور القديمة ضاربةً عرض الحائط جدلية التاريخ والاختلافات الواسعة في المناهج العلمية والثقافية للعصور المختلفة رُبما جهلًا منها بالآثار السلبية لتلك الأفعال.

لقد مَرّ ما يقارب القرن على هذه الأفكار ويجب على البشرية أن تحدد موقفها إذا كانت تريد أن تقف مع السفسطائية وتقرر إعدام سقراط من جديد أم تقرر إعادة إحياء الفلسفة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد