كنا قد توقفنا في نهاية المقال الأول عند الحديث عن الوظائف الأساسية والدور الرئيسي للتنظيم الذي ننشد، ولكني أجد لزامًا عليّ قبل الحديث عن هذا أن أذكر بعضًا من جوانب:

الرؤية والرسالة التي يقوم على أساسها ذلك التنظيم

من المعلوم أن رؤية التنظيم في مجال العمل الإسلامي لابد وأن تستند على تصور للمشروع الإسلامي وكيفية إقامته.
والمشروع الإسلامي الذي نقصده هو الذي يضع النهضة أفقا، والتجديد الفكري والشرعي منهجا، ويسعى لإعادة الاعتبار للإسلام في الفاعلية الحضارية والمجتمعية.

 

وذلك من خلال تحقيق عمل إسلامي تجديدي عن طريق “الإسهام الفعال” في إقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة، ومن ثم بناء نهضة إسلامية رائدة وحضارة إنسانية راشدة، وذلك من خلال تنظيم دعوي وتربوي وإصلاحي وشوري، يعمل وفق الكتاب والسنة ويعتمد أساسا على إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحًا ومصلحًا في محيطه وبيئته.

 

ويلتزم التنظيم بمنهج التدرج والحكمة والموعظة الحسنة، ويقوم بدوره في التدافع مع قوى الفساد والإفساد؛ عن طريق التربية والدعوة والمشاركة في إقامة المشروعات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والمساهمة بفاعلية في إصلاح المؤسسات والثقافة العامة، وكذلك كسب النفوذ والقوة للمشروع الإسلامي بحيث يسعى المنتمون للمشروع أن تمتلك حركتهم “الإصلاحية”، التي تتبنى المشروع الإسلامي منهجًا ومنطلقًا؛ وسائل القوة والشوكة العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمادية التي تمكن الحركة من تحقيق وإنجاز مشروعهم، وكذلك التصدي للفساد والوقوف أمام محاولات الطغاة لهدم التنظيم أو إلحاق الضرر بالدعوة ومسارات عمل الحركة.

 

وهذه الرؤية تعمل في النهاية على إعادة الاعتبار للإسلام في الفاعلية المجتمعية والحضارية.

 

بين فقه “البديل” وفقه “المشاركة الفاعلة”

معنى المساهمة التي ننشدها أن يكون التنظيم أداة وظيفية للتعاون على الدعوة والتربية وتكوين الأعضاء تكوينًا إسلاميًا صحيحًا، يجعلهم قادرين على المساهمة القوية والمبادرة الذاتية والفاعلية المثمرة في إقامة الدين كل وفق إمكاناته وقدراته وميوله. فأهم ما يميز هذا التنظيم أنه يطرح نفسه “مساهما فاعلا” في المشروع الإصلاحي وليس “بديلا عن الأمة والمجتمع” في ذلك.

 

ومن ثم فهذا النموذج الذي نطرح يتميز بأنه نموذج حركي مرن، يملك وظائف أساسية، ووصفها بالأساسية يجعل منها أسسا لقيام التنظيم واستمراره وأسسا لكافة أعماله.

وللأعضاء مجالات متخصصة لا يلتزم التنظيم بإدارتها وإنشائها والإشراف عليها، وإنما التنسيق والمشاركة ودفع الأعضاء في تكوينها وتطويرها والمشاركة القوية فيها، وفق منهجية تعزز التكامل والفاعلية والمبادرة الذاتية المثمرة.

وهذه الوظائف الأساسية نحصرها في ثلاث هي:

 

 

الدعوة، التربية، التكوين
فوظيفة “الدعوة” هي الوظيفة الأساسية الأولى للتنظيم. وهذه الوظيفة هي أهم واجب من واجبات الأعضاء رجالا ونساء يمارسونها تجاه عامة الناس في محيطهم ودوائرهم، من خلال التواصل الفردي معهم أو من خلال تنظيم لقاءات دعوية مفتوحة لهم، أو غيرها من الوسائل الدعوية المتجددة.

 

ووظيفة “التربية” هي وظيفة التنظيم، فمن واجبه أن يقوم بدوره التربوي تجاه كل من أبدى رغبته من عامة الناس في الانخراط في مجالسه التربوية لينال حظه من التربية القرآنية والإيمانية التي لا يستقر حال الناس إلا بها، ومن جهة أخرى يتعهد التنظيم سائر الأعضاء بالتربية المستمرة وفق البرامج التربوية الخاصة والموضوعة من قبل القسم التربوي فيه، بحيث يضمن بذلك الحد الأدنى من التربية السليمة والأخلاق العالية والفكر المستقيم والفهم الصحيح اللازم لشخصية الداعية والمربي.

أما وظيفة التكوين فهي وظيفة داخلية تقوم على بناء الأطر والأقسام التي تستهدف الفئة التي يعول عليها في تسيير وإدارة شئون التنظيم وأعماله ووظائفه. وكذلك الدعم الدائم للأعضاء وتدعيم مشاركتهم وفاعليتهم داخل المجتمع.

فتلك هي الوظائف الأساسية التي نقصدها. أما الأعمال المتخصصة فهي – كما أسلفنا – التي يتم توجيه الأعضاء إلى العمل فيها كل حسب إمكاناته وقدراته وميوله من خلال تأسيس الأفراد للهيئات المستقلة لهذه الأغراض، أو الانخراط في هيئات ومؤسسات قائمة بالفعل، أو من خلال شُعَب فرعية داخل التنظيم.

ولا يستلزم ذلك حصره على أعضاء التنظيم وإنما الغاية هي المشاركة المجتمعية والإسهام الفعال في إشراك قوى المجتمع الأخرى في تحقيق “الأهداف الإستراتيجية والغايات الكبرى للمشروع الإصلاحي” الذي يتبناه التنظيم.

ومن أمثلة هذه المجالات المتخصصة:
العمل الخيري والتنموي

العمل الطلابي

العمل العمالي والنقابي

البحث العلمي

المدارس الشرعية

المؤسسات التعليمية الخاصة

المؤسسات الاقتصادية

المؤسسات التي ترعى الأطفال وتهتم بتربيتهم وتنشئتهم… إلخ

والتنظيم بين المشاركة والتنسيق في هذه الأعمال التي ذكرنا أو غيرها من المجالات المتخصصة.
ودواعي ذلك:

_ التخفيف من وظائف الهيئات المسيرة في التنظيم العام ليركز على مهام التربية والدعوة والتكوين.

_توسيع مجالات العمل الإسلامي من خلال انفتاح أكبر على المجتمع ومؤسساته.

_ مسايرة تنامي دور مؤسسات المجتمع المدني.

_ تنمية أداء التنظيم ورفع مستوى الكفاءة والخبرة والإتقان في مختلف مجالات عمله.

_وضع الفرد المناسب في مجال العمل الذي يناسب تخصصه وميوله وقدراته.

_انفتاح أوسع على كفاءات في المجتمع لا يمكن استيعابها إلا في إطار مجال تخصصها مما يعزز قيمة المشاركة والاستفادة المتبادلة التي تصب في توظيف ذلك، لتحقيق المشروع الإصلاحي الذي يحمله التنظيم ويسعى لإقامته.

وهذا مما يضمن استقلالية تنظيمية تؤسس لفقه المؤسسية والتخصص، ومع ذلك لا تنفصل عن المشروع الإصلاحي العام للحركة من خلال مرجعية هذه المؤسسات المتخصصة وهدفها العام المندمج مع عمل التنظيم والمكمل له.

فالتنظيم إذا يستقبل الناس ويجتذبهم ويقوم بدوره الدعوي والتربوي من أجل جعلهم أعضاء ومساندين.

والأعمال المتخصصة تخرج هؤلاء الأعضاء والمساندين وتدمجهم في العمل المجتمعي الفاعل مما يسهم في تفعيل الحركة التنموية والنهضوية للمجتمع، ويساعد ذلك الأعضاء ويصقل شخصياتهم وينمي مهاراتهم ومواهبهم وقدراتهم.
ولكن تبقى هناك إشكالية جديدة، وهي هل ينبغي أن يمتلك التنظيم القوة العسكرية أو ما يعرف “بالتنظيم السري الخاص”؟

وتأثير ذلك على مسيرة الحركة سلبا أو إيجابا؟
وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد