إن الأحداث التي مرت بالحركة الإسلامية وما تملكه من رصيد كبير من التجارب والحوادث التاريخية وما نتج عن ذلك من أطروحات ومشاريع ومراجعات يستلزم منا تعميق الخلفية المفاهيمية والاستراتيجية للحركة بما يساهم في الإجابة عن إشكاليات مثل: الشمولية في التنظيم و مدى فاعليته، ودوائر الانتماء، وتعريف الـ “نحن”، وقضية التكامل في العمل الإسلامي مقابل الجزئية في العمل الإسلامي.

و من ثم ينبغى أن نبلور مجموعة من المراجعات في مفاهيم وأبعاد التنظيم.

وبناء على ذلك نتناول مقولة وطرح ” ما بعد التنظيمات “.

نظرة تحليلية وتاريخية في نشأة التنظيم “الشمولي”

في بداية البعث الإسلامي المعاصر استطاعت الحركة الإسلامية أن تبلور فكرة أساسية ورئيسة وفلسفة مهمة أقامت عليها مشروعها الإصلاحي والتجديدي، وهذه الفكرة ببساطة “شمولية المنهج الإسلامي” وتناوله كافة مجالات الحياة بالتقويم والإصلاح، وكونه مرجعية ومنطلق للأمة في كافة المجالات.

ومن منطلق الانشداد إلى فكرة “الشمولية” وفي لحظة الانطلاق للحركة تأسست فكرتها على بناء “التنظيم الشمولي” الذي يحمل هذا المشروع الإصلاحي ويعمل به من أجل تحقيق أهدافه المنشودة التي تتميز “بالشمولية” كما أسلفنا، وذلك من خلال بناء تنظيم هرمي محوري ومتعدد الأذرع و الأجنحة، فكان الانتقال من فكرة “الإسلام الشامل” إلى اختيار “التنظيم الشمولي” مما أدى إلى بعض المميزات والنجاحات وكذلك الإشكاليات والإخفاقات.

أهم الإشكالات والمميزات حول فكرة “التنظيم الشمولي”

المرجحين لفكرة التنظيم الهرمي والشمولي دائمًا ما يرددون أن أهميته تكمن في أنه يتميز بمستوى عالٍ من الجندية والانضباط والفاعلية لدى أعضائه، بحكم تركيزه على ضبط التنظيم ومركزته وأن التغيير الإسلامي للواقع الجاهلي، لأفكاره ومعتقداته، لنظمه وتشريعاته، لسلوكه وعاداته، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التنظيم والتنظيم الدقيق، فمتطلبات المشروع الإصلاحي وضخامة حجمها لا يمكن توفرها وتوافرها بغير التنظيم، وعدم توفر التنظيم والقيادة للمشروع يجعل العمل الإسلامي عشوائيًّا وعفويًّا ومتضاربًا، يتميز بالتآكل والتشرذم وليس التناسق والتكامل.

إلا أن هناك إشكالية كبيرة تطرح نفسها تمثل محورًا آخر لم ينتبه إليه هؤلاء وهي أن التنظيم قد يولد تماهيًا بين الدين “المشروع”، والتنظيم فيبدو بشكل أو بآخر “التنظيم” بديلاً عن الدولة وبديلاً عن قوى المجتمع وأنه وحده المتحمل لتكاليف العمل والحركة والإصلاح والمحقق للأهداف، ومن ثم بناء الاستراتيجيات والخطط على هذا الأساس غير المنضبط .. وغير مقدر لحقيقة التكاليف والتبعات.

كما أن طبيعة العصر والعولمة تستلزم الانفتاح على المؤسسات وتعدد مداخل الفعل المجتمعي وتنوعها وتعقدها أحيانـًا مما يجعل التنظيم الذي يطرح نفسه “بديلاً “غير قادر على مواجهتها وحده.

كما أنه قد يكون عائقـًا وكابحًا في الاستمرار والتقدم بالمشروع لما ينتجه هذا النموذج من التقوقع والتفكير بمنطق مثالي أو بمنطق البديل الأوحد والمناسب “للمجتمع والدولة” وما ينتجه من سؤال دائم حول مدى فاعليته! أمام عجزه عن تحقيق كثير من الأهداف التي ينادي بها وينشدها بسبب ضعف قدراته وإمكاناته في مواجهة تحديات العصر وضخامة ما تتطلبه من عمل ومدافعة.

كما أنه قد يغير في بعض المفاهيم الأساسية للإسلام وطبيعة المشروع الإصلاحي للحركة، فيجعل “من التنظيم” بديلاً عن “الأمة” كما أنه يحصر الأفكار والمشاريع والاجتهادات في اجتهاد واحد ومشروع واحد مما يجعل دائرة الإبداع والفاعلية والمبادرة أقل.

إذا كيف لنا أن نعالج مشكلات وإشكالات “التنظيم الهرمي والشمولي” وما ينبغي تطويره ومراجعته من مفاهيم وآليات؟! وما طبيعة الطرح الجديد الذي تحتاجه الحركة الإسلامية وتلك التنظيمات الهرمية؟! هل هي بحل تلك التنظيمات؟ أم بتغيير في المفاهيم الاستراتيجية والمنطلقات الفكرية وطبيعة العمل الخاصة بالتنظيم؟!

ولكن قبل الإجابة على هذه التساؤلات، لابد وأن ندرك بعض الأمور المهمة المرتبطة بالموضوع ذاته.

ما طبيعة السيرورة ومدى الصعود والأفول لهذه التنظيمات؟

تتسم دائمًا تلك التنظيمات بأنها تحظى بمؤسسين ذوي بصيرة وشخصيات كاريزمية وممتلئة بالحماس والعزيمة، وببناء متدرج من الطفولة إلى الحيوية والرجولة.

ومن ثم لا يلبث المؤسسون أن يقضوا نحبهم، ويعيش بعدها الأعضاء أسرى تراثهم ووسائلهم وأدواتهم وإن طالت السنون وتغيرت طبيعة الواقع والمرحلة.

ولا تلبث التنظيمات أن تنقلب بطول العهد من الرجولة إلى الكهولة والشيخوخة، فيصيبها ما يصيب الإنسان من ضعف وشيبة، وهذه سنة لا يمكن الفكاك منها كما هي في المجتمعات وعبر مسيرة العمران البشري على مدى الأزمان، والسبب في ذلك أن المؤسسين العظام في الغالب ما يخلفون بعدهم قادة لا يتمتعون في الغالب بما كان لهم من مميزات البصيرة والفقه الواسع بالشرع والواقع والحماسة والعزيمة للعمل والتجديد المتواصل والمراجعة الدائمة للخطط والآليات والمناهج، بل قادة تنظيميين تنفيذيين يسعون بالأساس إلى الحفاظ على الثوابت، ولا يجرؤون على إدخال المتغيرات في البنى التنظيمية والمناهج التربوية.

وقد عبر الأستاذ عمر عبيد حسنة عن ذلك بقوله: ” إن هذه التنظيمات – في معظمها، إن لم نقل كلها – انتهت إلى لون من القيادات التي ظنت أن القيادة تعني الإشراف الإداري، وعجزت عن إنتاج قيادات فكرية.

ذلك أن هذه القيادات، بطبيعتها الإدارية الرتيبة، تضيق ذرعًا بأي تطوير أو تفكير أو تغيير، وكل الذي يعنيها: الإبقاء والإصرار على صورة الماضي للمفكرين الرواد الأوائل، على الرغم من تغير الظروف والأحوال والمشكلات، وعلى أحسن الأحوال يمكن وصف تلك القيادات بأنها أغلفة لحفظ تاريخ الجماعات .

فإذا كان هذا هو ديدن التنظيمات في العادة، دون الدخول في محن أو فتن، بسبب الدخول في مواجهة مع الأنظمة القمعية الجاثمة، فما بالك إذا دخلت تلك التنظيمات في مواجهة ومحنة تلو أخرى، لا شك في أنها تلجأ إلى المحافظة والتقليد والانكفاء على الذات والتقوقع على النفس، أكثر ما تلجأ للتجديد خوفـًا من التبديد، ولا شك في أن وسائلها تتحول تحت الضغط إلى غايات وما هي بالغايات، ولا شك في أنها تتحول إلى إخراج أشواكها للنظام القمعي وللمجتمع الذي سانده أو سكت عليه، وبعد أن كان ميدان عملها المجتمع باتساعه سعيًا لإنهاضه وإحيائه يتقلص ميدان علمها ليصبح التنظيم ومشكلاته واحتياجاته، ولا شك أن عوامل الجمود تغلب في النهاية على غيرها من عوامل النهوض.

 

ومن ثم نشأت الحاجة إلى تجديد كما أشرنا سابقـًا للخلفية المفاهيمية والاستراتيجية للحركة، هذا التجديد يتناول بشكل رئيسي “دور التنظيم” و”شكل هيكلته” و”وظائفه الرئيسية” ومن ثم تحديد إجابة مثلى على السؤال الذي طرحناه في البداية.

إذا ما دور التنظيم؟

من المعلوم أن بناء وتكوين أي تنظيم يقوم على أساس فلسفة معينة للفعل المجتمعي وإقامة المشروع، ومن ثم أن يكون المشروع حاملاً لفكرة “الإصلاح” ليس هو أن يكون حاملاً لفكرة “البديل” بالضرورة، وبمعنى أدق أن شمولية المقاصد والأهداف على مستوى التصور وشمولية مجالات العمل الإسلامي لا يعنى أن التنظيم هو الذي سيتولى بمفرده تحقيق تلك الوظائف والأهداف وإنما ينبغى استنبات شكل تنظيمي ونموذج حركي مرن يجمع بين “وظائف أساسية” ويترك المجال والسعة للأعمال المتخصصة.

أي أن التنظيم يتركز دوره في وظائف أساسية لابد من قيامه بها، وأعمال متخصصة يتم توجيه الأعضاء إلى العمل فيها كل حسب إمكاناته وقدراته ورغباته من خلال تأسيس الهيئات المستقلة لهذه الأغراض أو الانخراط في هيئات ومؤسسات قائمة بالفعل، أو من خلال شعب فرعية داخل التنظيم، ولا يستلزم ذلك حصره على أعضاء التنظيم وإنما الغاية هي المشاركة المجتمعية والإسهام الفعال في إشراك قوى المجتمع الأخرى في تحقيق “الأهداف الاستراتيجية والغايات الكبرى للمشروع الإصلاحي” الذي يتبناه التنظيم.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن شمولية الإسلام لا تستلزم تنظيمًا شموليًّا.

نحو فهم أعمق “للوظائف الأساسية” والدور الرئيس للتنظيم الذي ننشد؟

ونستكمل الإجابة عن هذا السؤال إن شاء الله في المقال القادم، وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد