لقد كان يوما فارقا في حياة المصريين ، بل في تاريخ مصر كلها ، كان يوما كاشفا عن معدن الإنسان الأصيل بين البشرية المصرية علي وجه الخصوص ، وبين بقية البشر بوجه عام ، فكان من البشر من انكشفت عورته وسقط قناعه وافتضح أمره ، فأثبت بموقفه أنه لا ينتمي لعالم الإنسانية إلا شكلا ورسما ، وكان أيضا من أثبت أنه معدن نفيس وعملة نادرة بين عالم البشر، فارتقي في عالم الإنسانية لأعلي مراتب الضمير الإنساني .

.

إنه يوم الفض في رابعة ( يوم الرابع عشر من شهر أغسطس لعام 2013م ) ، وإن شئت فقل يوم الحرب في رابعة ، وبالفعل لم يكن فضا بل كانت حربا ، ذلك اليوم الذي تعلمنا منه الكثير ، واستيقظنا بعده علي الحقائق المفجعة  ، ليتبدل الحال إلي أحوال  ، فاستيقظت مصر علي حقائق كان الكثير يعلمونها ؛ ولكن لا يتحدثون فيها إلا همسا ، ورغم أنها مؤكدة لديهم ، إلا أنه لم نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزا بخصوص هذه الحقائق .

.

فاستيقظنا بعد رابعة لنتعلم من حربها أن ( الوَرْد اللي فتح في جناين مصر ) ، لم يفتح في جناين مصر وحدائقها ، ولكنه فتح في غابات مصر المهلكة وأدغالها الحارقة ، فما كان هذا الورد الذي فتَّح هو نهاية الطريق ، ولكنه كان بداية ركْبٍ فوق سفينة مخروقة ، تمتلكها الدولة العميقة ، وتسير بنا نحو الغرق في هوة سحيقة .

.

أوصلتنا رابعة إلي مفترق طريق ، فإما أن تركب معهم السفينة المخروقة ، أو تركب معنا سفينة النجاة فالطوفان الرباني قادم ، وليس ثمة نوحٍ ينادي في ابنه وفي قومه ، فالجميع حينها سينشغل بالتقاط أنفاسه عن أقرب الأقربين إليه .

.

فعلمتنا الحرب في رابعة أن عدونا منا ، ومُحتلَّنا عسكر عاشوا بيننا وعششوا فينا ، فاستيقظنا علي الحقيقة التي كان يخفيها الكثيرون ، ولكنها أبت إلا أن تكشف عن وجهها القبيح في فض رابعة ، لنعلم يقينا لا شك فيه أننا محتلون ، فما حدث في رابعة ليست فضا لاعتصام!

.

ولكن حربا من عدو محتل ، ليقضي علي من يقاومه بعد أن فشلت كل محاولات المساومة ، فإن أرادوها فضا لاعتصام فقط لوجدوا لذلك خطةً وألف خطة لتنفيذ الفض ، دون هكذا مجزرة في الأحياء المعتصمين ، ومحرقة للأموات والمصابين ، فما جرى في هذا اليوم المشئوم جراء هذه المجزرة.

.

وتلك المحرقة ، أن الدماء جرت ماء ، ولحوم البشر غدت تفوح منها رائحة شواء ، فبالفعل أرادوها حربا صادمة ، في سويعات خاطفة ، لتصدم العدو ويركع مستسلما كالضحية ، وهنا يلح علي ضميرنا الإنساني الواعي سؤالٌ .. هل يحدث مثل هذا من عدو محتل أم من جيش يحمي شعبه ووطنه ؟

.

لا شك أن ما حدث في رابعة  يوحي بالحقيقة المفجعة ،  بل يؤكدها لحد اليقين وهي أننا محتلون ، والمحتل ثلة ممن قدسوا الخيانة والفساد ، تمكنوا وتحكموا في قوة جيش بأكمله ، ولكن كيف كان هذا الاحتلال ومتي بدأ؟

.

إنه في الأصل احتلال صليبي ، والأصح احتلال صهيو ـ صليبي ، بدأ قديما بالحملات الصليبية علي بلاد الشام ، ومن بعد تحرير بيت المقدس من الصليبيين ، بدأت المخططات والمؤامرات تأخذ منحى آخر ، وخاصة بعد موت صلاح الدين الأيوبي واختلاف أبنائه من بعده ، فعاود الصليبيون الترصد لبلادنا حينا بعد حين ، وزمنا بعد زمن كلما كانت الفرص مواتية لذلك ، حتى انتهى بهم المطاف بحملة نابليون بونابرت الفرنسية علي مصرىوالتي سرعان ما فشلت ، ولكنها تركت خلفها حية تسعي بيننا اسمها الدولة العلوية بقيادة محمد علي باشا ، الذي لم يكن مؤسسا لمصر الحديثة كما علمونا في المدارس ؛ ولكنه كان مُعَلْمِناً لمصر العلمانية ، فبدأ يكون جيشا يأتمر بأمره ، ويعمل ضباطه بالأجرة عنده ، ومن هنا كانت بداية السيطرة علي الجيش المصري ، ثم جاء بعد ذلك المحتل الإنجليزي ليكمل ما بدأه المحتل الفرنسي ، وإن كان ثمة خلافات بينهما إلا أنهما أولو أهداف صليبية واحدة .

.

ومن هنا بدأت صناعة الجيش المصري علي أعين الاحتلال الفرنسي الأول ثم البريطاني ، لينتهي بنا المطاف بتسليم مصر إلي ثلة من العسكر ، بعد الإطاحة بالملك فاروق قبل أن تبدأ ثورة شعبية حقيقية واعية على حكمه ، وخاصة بعد هزيمة العرب في حرب الـ ” 1948م ” وظهور جماعة الإخوان المسلمين في هذه الحرب كقوة قتالية منظمة ، ومدربة تدريبا حقيقيا ، والتي بالفعل أصبحت تشكل خطرا حقيقيا علي المخططات الصهيو ـ صليبية حينها.

.

لم يكن أمام الانجليز والصهاينة إلا أن يتسلم مصر محتل يحتلها بالوكالة عنهم ، بعد أن يعلن الاحتلال الانجليزي رحيله عن مصر إثر عمل ثورة مصطنعة يدعما الشعب علي أن  يمسك العسكر بخيوطها ، بشرط أن يلعب المحتل العسكري المصري الجديد دور المسكن لهذا الشعب ، الذي أوشك علي القيام بثورة لن تبقي ولن تذر ، فيحتويه بأي شكل من الأشكال ، فوقع الاختيار علي ثلة عسكرية تمكنت بطريقة ما من وضع أياديها على قوة الجيش ، فوقع الاختيار على ” البكباشي جمال عبد الناصر ” لتبدأ دولة العسكر مرحلة جديدة من مراحل الاحتلال في بلادنا .

.

استيقظت مصر بعد حرب رابعة علي تلك الحقائق وأكثر ، فعلمنا أن الرئيسين عبد الناصر والسادات لم يكونا رئيسين مخلصين ؛  بل كانا عميلين يدوران في فلك التبعية للنظام العالمي الجديد ، بعد انتهاء حقبة الاحتلال الاجنبي المباشر ، وليس أدل علي ذلك من تفرغ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لمحاربة كل ما هو إسلامي شخصا كان أو جماعة  ، وفي أي مكان استطاع أن يصل إليه بجنوده.

 

في نفس الوقت الذي جر علي مصر وشعبها الويلات تلو الويلات بسبب قراراته العنترية الغير مدروسة ، أو ربما المدروسة والمُتعَمدة لجر مصر نحو خراب ودمار وعدم تنمية حقيقية ، وكذلك الحال بالنسبة للرئيس السادات فليس أدل علي عمالته من تحويل نصر أكتوبر لنصف انتصار عسكري ، وهزيمة سياسية كاملة بسبب قراره السياسي الغريب والعجيب في اليوم الرابع من حرب أكتوبر 1973م ، والذي خالف فيه قيادات بالجيش حينها ؛ إلا أنه أصر عليه وصمم على تنفيذه فتحول النصر إلي هزيمة .

.

فما الحل مع هذه الطغمة العسكرية الخبيثة ؟

هذه الثلة الخبيثة أصبحت كشجرة خبيثة ، تجذرت بحذورها في باطن أرضنا ، وتفرعت وانتشرت بفروعها وأغصانها ، حتي خيمت على جميع أرضنا بتلك الفروع والأغصان ، ولذلك فإن الحل الناجع هو أن تُجتث هذه الشجرة الخبيثة من جذورها وقرارها ، فتذبل الأغصان وتتساقط الفروع غصنا وراء غصن ، وفرعا من بعد فرع ، وأعتقد أنه لا يغيب علي كل لبيب أريب ذي بصيرة  ، ماهية هذه الجذور ومكانها الفعلي وقرارها المكين الذي تجذرت فيه .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد