لو كان للفن علم لكان علم النفس، هكذا أقولها لنفسي على الدوام غير مستبعد المنهج الإجتماعي و الإنطباعي وغيره من المناهج في النقد الفني والأدبي، فالإستعانة بعلم النفس وعلم الطبائع سوف يساعدانا على تلقي شخصية الجوكر (أداء جاك نيكلسون) في فيلم باتمان إنتاج 1989 بشكل أفضل.

من أفضل مشاهد الفيلم الكاشفة عن نفسية الجوكر في رأيي هو مشهد اقتحامه للمطعم عابثًا باللوحات والتماثيل المعروضة علي إيقاع أغنية صاخبة، فعلى ضوء علم الطبائع نجد أن هذا المشهد يوضح لنا أن شخصية الجوكر هنا عسيرة الاقتصار على نمط مرضي واحد من الطباع، فنحن نرى شخصية تجمع بين الطبع العظامي وطبع معاداة المجتمع  مع ملامح من الطبع النرجسي، وهذا المزيج من الطباع الذي يجد صعوبة في التكيف مع الأعراف الثقافية والاجتماعية، سوف يفسر لنا لماذا التصرف بهذا الشكل المرضي داخل المتحف (أو المطعم)، فهو لا يجد جمالًا في اللوحات والتماثيل التي حطمهاـ، مهما كانت موضع إعجاب وإجماع عرفي من المجتمع.

لكن التفسير النفسي المرضي للاعتداء على المتحف  لا يكفي للإحاطة بسلوك الجوكر في هذا المشهد، فهو لا يعادي الفنون بشكل عام، كما أنه معجب بأعماله الفنية (أو لنقل تشويهاته الفنية لو تذكرنا وجه صديقته) إلى حد الهوس، إذن فالصورة لا تكتمل إلا إذا فهمنا سلوك الاعتداء على أنه صراع ثقافي، مواجهة ثقافة ما بعد الحداثة (الجوكر) حيث العبثية والتدمير والقبح (حتى الأغنية الراقصة الصارخة تمثل نموذجًا لفن ما بعد الحداثة) ، مع الفنون الكلاسيكية التقليدية (المتحف) حيث المعنى والجمال والرسالة.

صراع الجوكر والمتحف ثقافيًا هو الموجود في عالمنا اليوم، لذلك لا يبدو فقط أن المؤلف قد مات حسب تعبير رولان بارت، بل إن الفن نفسه بمفهومه التقليدي قد مات بيد نظريات ما بعد الحداثة، التي يبدو أنها وهي تحاول أن تتمرد علي القواعد القديمة دمرت الفن نفسه.

أما إذا حاولنا إعادة تدوير العمل الفني أو إعادة تأويله سياسيًا ليلائم واقعنا المعاش في المنطقة، فإننا سنجد أن نفس ما حدث في هذا المشهد هو ما يفعله الجوكر الأمريكي في المنطقة (متحف الحضارات والثقافات والأديان)، لا أتكلم عن الآثار فقط ونهبها وتخريبها (العراق نموذجًا)، بل عن هذا الكم من القتل والدمار وتهجير الشعوب وإسقاط الدول، بل وإخراجها من التاريخ ليصبح مكانها المتاحف بالفعل، ثم إعادة رسم المنطقة عبر مفهوم الفوضى الخلاقة (الذي يعتبر هو الآخر طرح سياسي ما بعد حداثي) ،وتفتيتها إلى دويلات طائفية ومذهبية، ومن ثم تذهب المنطقة ضحية مفكري ما بعد الحداثة، ويصبح سر تعاستها مخزونها الحضاري والثقافي وموقعها (قبل النفط والثروات الطبيعية).

الطريف والمزعج في آن واحد أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عكس الصورة وقال في تصريح له: (نحن باتمان وداعش الجوكر)، تدميرية داعش معروفة ولا جدال فيها، أما أن يتصور الجوكر الأمريكي بأمراضه الاجتماعية والنفسية ،وبعقدة تاريخه (الذي يندر أبطاله فيصنعهم على شاشة هوليوود) أنه المنقذ فهذا هو مدعاة ليس فقط التهكم والسخرية بل و القلق من تغييب وعى الشعب الأمريكي الذي استطاع أن يوقف حرب فيتنام، ربما لأن الحرب لم تصل إلى أرضه، أما الآن والتفجيرات تطال كل مكان في العالم (خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر ) تصعب عملية الإقناع ، وتسهل عملية تزييف الحقيقة، ويصبح لتصريحات أوباما الخادعة ومن بعده من الرؤساء مؤيدوها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد