في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 1793 تم الإعلان عن مهرجان العقل، ونُهبت كاتدرائية نوتردام، ثم كرست شعائر لعبادة العقل.

أمام حشد هائل ومبهج تم اختيار ممثلة من أوبرا باريس لتمثيل إلهة العقل. تم عرضها بمجد في الشوارع المزدحمة باتجاه الكاتدرائية، حيث توجت كإله، وعبدها جميع الحاضرين. وتم حظر الكتاب المقدس، وأي تعبير عن الديانة المسيحية، وفاعل ذلك يتم إعدامه. أعيد فتح كنائس الأبرشيات باعتبارها معابد الحقيقة والعقل، وتم الاستبدال بالمسيحية ب«الدين الطبيعي».

في هذه الفترة لم يعد الزواج تحت سلطة الكنيسة، وتم تقنين الطلاق. استمرت المحاولة المنهجية للثورة لنزع الطابع المسيحي عن المجتمع الفرنسي وتأسيس دين جديد للعقل والإنسانية لأكثر من ثلاث سنوات حتى تم تأسيس الحرية الدينية في عام 1797، ولكن البابوية الرومانية لم تزل تعتبر عدوة للثورة.

في عام 1798 قرب نهاية المعارضة طرد الجيش الفرنسي البابا بيوس السادس من روما، ووضعه في السجن، حيث توفي. وهكذا خلال هذه فترة انتقلت الثورة المبكرة المناهضة للإكليروس من خلال درجات متزايدة من العلمانية إلى إلحاد صارم، وأخيرًا إلى إضفاء الشرعية على الحرية الدينية جنبًا إلى جنب مع هجوم على البابوية الرومانية، كل ذلك في خدمة دين جديد. الحرية، والعقل، والطبيعة.

ونرى نفس دافع التمرد على العقيدة الدينية مرة أخرى خلال منتصف القرن التاسع عشر على المستوى الفلسفي للثقافة.

في خضم الثورات الاجتماعية والسياسية في تلك الفترة (بما في ذلك إجبار البابا بيوس التاسع، من قبل القوى الثورية على مغادرة روما، في عام 1848)، عبّر الدافع التحرري القوي في السياق الديني عن نفسه بموجة الشك الديني التي اجتاحت أوروبا من خلال أفكار شوبنهاور، وماركس، وإنجلز، وكذلك ديفيد فريدريش شتراوس، ولودفيج فيورباخ، وجورج إليوت، وآخرين. أثر هذا التحول في الرؤية الفلسفية للثقافة بدوره على داروين، ثم نيتشه لاحقًا.

بشكل أكثر عمومية خلال هذه السنوات نفسها من الستينات وما بعدها، في جميع الأديان الرئيسة تقريبًا بجميع أنحاء العالم، ترك عدد لا يحصى من الأفراد أو تجاهلوا إيمانهم الموروث إلى حد كبير. كان العامل المركزي بالنسبة للكثيرين هو التمرد الصريح، أو الضمني، ضد القواعد الأخلاقية للقمع الجنسي للتقاليد الدينية الراسخة التي بدت، في روح العصر العلمانية والمتغيرة نفسيًا في الستينات، مقيدة بشكل مرضي وتتعارض مع التعبير الحر والصحي عن غرائز الطبيعة الصحية. يقول شوون «ما يُفتقر في العالم الحاضر هو معرفة عميقة بطبيعة الأشياء؛ الحقائق الأساسية موجودة دائمًا، لكنها لا تفرض نفسها لأنها لا تستطيع فرض نفسها على أولئك الذين لا يرغبون في الإنصات».

ثم جاء لودفيغ فون ميزيز ليقول لنا: «فما إن قُبل المبدأ الذي يقول إنه من واجب الحكومة أن تحمي الفرد من حماقته، فلا يمكن تقديم أية اعتراضات جادّة ضدّ أيّة تجاوزات أخرى. فربما يمكن الدفاع عن منع الكحوليات والنيكوتين، لكن لمَ تقتصر الرعاية الكريمة التي تتفضل بها الحكومة على حماية جسد الفرد لا غير؟ أليس الضرر الذي يُلحقه المرء بعقله وروحه أشد من أيّة أضرار بدنيّة؟ فلمَ لا نمنعه من قراءة الكتب السّيئة ومشاهدة المسرحيات السيّئة! ومن النظر إلى اللوحات والتماثيل السيّئة، ومن سماع الموسيقى السيّئة؟ فالأذى الذي تلحقه الأيديولوجيات السيّئة بالإنسان بكل تأكيد، أكثر إيذاءً للفرد والمجتمع بأسره، من الأذى الذي تُلحقه العقاقير المخدرة»

ختامًا.. يُختبر الوجود على أنه «كون متعدد» من العلاقات، وبالنسبة للإنسان العلماني، فكون «كل شيء نسبي» يظهر أكثر فأكثر كمسلمة وجودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد