تثور بين الحين والآخر دعاوى تقنين الشريعة، فينبري البعض مطالبًا ببذل كافة الجهود من أجل تقنينها في نصوص عامة ومجردة ومحددة مسبقًا، بينما يحارب البعض الآخر هذه الفكرة باعتبارها من الشعارات التي لا تصلح للتطبيق العملي، وفي هذا البحث نتعرض لهذه الفكرة من عدة أوجه:-

  • الأول: عن بعض حالات تقنين الشريعة في تاريخ المسلمين وحتى وقتنا الحاضر.
  • الثاني: عن طبيعة مصطلح الشريعة والفارق بينه، وبين الفقه، وأثر هذا الفارق على مسألة التقنين.
  • الثالث: هل تكفي التقنينات الحالية لحل هذه المشكلة.

ثم خلاصة، وذلك على النحو التالي:-

 

أولًا: تطبيق الشريعة تاريخيًّا

حاول الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إلزام الناس بموطأ مالك، وإطراح الكتب الأخرى وقد أنكر عليه مالك نفسه قائلًا:

“يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وردوا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا بهم ودانوا به من اختلاف أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وغيرهم، وإن ردهم عما اعتقدوا شديد، فدع الناس وما هم عليه من اختيار أهل كل بلد لأنفسهم”، فقال الخليفة لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به، وهذه الرواية يفهم منها أمر آخر أعظم خطرًا وأهميةً، وهو أثر السلاطين على فهم الناس للدين، فماذا لو وافق الإمام مالك مولاه الخليفة على رأيه، وقام الخليفة بتنفيذ ذلك الرأي وعمم كتاب الموطأ على الأمصار، ألم يكن الناس ليتعبدوا إلى الله بما فهمه مالك، وقديمًا قالوا إن المذاهب تنتصر بالسلاطين وليس بالناس، فقد انتصر المذهب الحنفي في العديد من الأمصار في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات العشرين بقوة الدولة العثمانية، وانتصر الحنابلة حاليًا بقوة الدولة السعودية ومالها، ودانت إيران بالفكر الشيعي بانتصار الصفويين، وقد كانوا قبل ذلك يتبعون المذهب السني الشافعي، والمذهب الحنفي، ولو امتد العهد بالفاطميين في مصر لربما تشرب المجتمع الفكر الشيعي تحت محاولات الفاطميين المستمرة لذلك إلا أن أمدهم جاء سريعًا وقضى الظاهر بيبرس على التوجه الرسمي الشيعي في البلاد.

ثم قامت الدولة العثمانية بتحرير مجلة الأحكام العدلية، وفيها تم تقنين المذهب الحنفي في نصوص مرتبة ومبوبة، وكذلك قامت الدولة الإيرانية في عصر الخميني باتخاذ المذهب الجعفري مذهبًا لها، وصاغته في نصوص قانونية، وقامت الدولة السعودية بذات الأمر بالنسبة للمذهب الحنبلي، وقد سبقت محاولة للملك عبد العزيز بن سعود لتقنين الشريعة تحت مسمى مجلة الأحكام الشرعية، ولكن لم يكتب لها النجاح…، لأن فقهاء زمانه لم يستوعبوها ولم يقبلوها على النحو الذي أراده.

وعلى جانب آخر، ظهرت محاولات من نوع ثانٍ لتقنين الشريعة، مثل محاولة ليبيا لتقنين الحدود في إطار نصوص قانونية مثل قانون حد السرقة، وقانون حد الزنا، والمحاولة المصرية في سبعينيات القرن الماضي لسن قانون العقوبات الإسلامي الذي ظل مشروعًا حبيس الأدراج، وقد اطلعنا عليه فوجدناه يزايد على الشريعة نفسها وينحي نحو التشدد في الأحكام، والأخذ بالرأي الفقهي الأشد في كل مسألة، والاعتصام إلى جانب فقهي ضد آخر تحت مسمى النص القانوني، وحسنًا أنه لم ير النور، وإلا قد كان مصيره الفشل؛ مما يؤدي إلى إرباك المشهد الاجتماعي والسياسي والتشريعي في مصر، وهو مرتبك من الأصل.

 

 ثانيًا: مضمون مصطلح الشريعة والفارق بينه وبين الفقه

“مسائل أصولية”

من المعلوم أن الأحكام الشرعية التي وردت بنصوص قرآنية هي قليلة، وأن الأحكام التي وردت في سنة رسول الله ظنية، ولم يكن هناك بد من أن يتوسع الفقه ليسد الفراغ عن طريق إعمال القواعد الأصولية في فهم الدين، والاعتماد على مصادر هذا الفقه “الكتاب والسنة”، ثم التوسع بقبول الإجماع والقياس، ثم بقية ما أورده الفقهاء من أصول ومصادر وقواعد فقهية أقيم عليها علم أصول الفقه، مثل العرف والاستحسان وسد الذرائع وشرع من قبلنا وقول الصحابي وغيرها من قواعد وأصول، وقد أدت الاختلافات الأصولية في المذاهب إلى اختلافات في الرأي الفقهي للمسألة الواحدة من مذهب إلى آخر، وقد تباينت هذه الاختلافات في المسألة الواحدة من الحل للحرمة، ومن الوجوب للإباحة، ومن الكراهة للندب، وغير ذلك من أوجه الرأي الفقهي في المسألة، وقد ساق ابن المقفع هذه الاختلافات في عبارات بديعة، وهو أحد المصلحين السياسيين في عصر الدولة العباسية الأولى فكتب في كتابه “رسالة الصحابة”:

“ومما ينظر أمير المؤمنين فيه من الأمر اختلافات هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرًا عظيمًا في الدماء والفروج والأموال فيستحل الدم والفرج بالحيرة، وهما يحرمان بالكوفة، ويكون هذا الاختلاف في جوف الكوفة فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم ليقضي به قضاة جائز حكمهم وأمرهم، أما من يدعي لزوم السنة منهم فيجعل ما ليس بسنة سنة حتى يبلغ ذلك به إلى أن يسفك الدم بغير بينة على الأمر الذي يزعم أنه سنة، فلو رأى أمير المؤمنين أن يرفع هذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب، ويرفع معها ما يحتاج إليه كل قوم من سنة وقياس، ثم نظر في ذلك أمير المؤمنين وأمضى في كل قضية رأيه ويعزم عليه عزمه، وينهي عن القضاء وخلافه، وكتب بذلك كتابًا جامعًا لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام حكمًا واحدًا صوابًا”.

وسبب الاختلاف في الأحكام الفقهية هو ذلك الخلاف الأصولي في المذاهب ذلك الذي عبر عنه أحمد تيمور باشا في كتابه “نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة”:

إذ قال: “والأئمة وإن تشابهوا في السجايا من دين دروع وتقوى وذكاء واستعداد عظيم للحفظ والفهم والاستنباط فإنهم تميزوا، فإن احتفظ كل واحد منهم بخصيصة تفوق بها على الآخرين، فالإمام أبو حنيفة أعلى الأئمة جميعًا مقدرة على استنباط علل الأحكام والقياس عليها واستخراج القواعد اللازمة للفروع، والإمام مالك أعلم الأمة جميعًا بالسنن العملية والعرف الذي كان في عصر التشريع، ومن هنا كان عمل أهل المدينة بمثابة الحديث المتواتر المنقول نقلًا عمليًّا، وكذلك الإمام الشافعي كان أكثر الأئمة قدرة على استنباط الأحكام من النصوص، كيف لا وهو الذي احتج اللغويون بكلامه، وقال فيه الجاحظ:

(نظرت في كلام هؤلاء النبغة فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي كان لسانه ينثر الدر، أما الإمام أحمد فهو أكثر الأئمة حفظًا للنصوص سواء كانت أحاديث نبوية أم آثار عن الصحابة أو فتاوى للصحابة أو للتابعين، ومن هنا جاءت المذاهب الأربعة مكملة لبعضها البعض)”. صــــــ 7

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في بحثه (دورات تحليلية في تاريخ الفقه الإسلامي) صــ15ــــ

وأخذت في عهد التابعين مناهج الاجتهاد تتميز من غير انحراف ولا خروج عن الربقة، بل الجميع متعلقون بالكتاب والسنة وعلم الصحابة ويعتبرونها المنجاة من هاوية الباطل.

فكان للفقهاء والفرق نهج في الاجتهاد بعد النصوص، وأقوال الصحابة وغلب عليهم الاجتهاد بالقياس.

وكان لفقهاء الحجاز نهج يغلب عليه الأخذ بالمصلحة، وكان لكل منهاج مدرسة قائمة بذاتها ابتدأت تتكون في عهد التابعين، ثم تمت من بعدهم حتى تكاملت.

والشاهد من ذلك أن هناك اختلافًا أصوليًّا في المذاهب الأربعة، وهذا الخلاف ليس دينيًّا في حقيقته، بل هو خلاف فكري ليس له علاقة بالتيسير أو التشديد، بالحل أوالحرمة ولا بالعقائد أصولها وفروعها، وإنما هو اختلاف في أدوات الاستنباط والمسلك الذي يسلكه الفقيه في الوصول إلى رأيه في المسألة، وقد يدفع هذا المسلك الفقيه لتحريم مسألة هي تحل في مذهب آخر أو العكس، ولا ضير في هذا بل فيه سعة على الناس في معرفة الحكم الفقهي فيما يقومون به.

وإنما تأخذ هذه القاعدة من زاوية أخرى وهي الزاوية محل بحثنا الماثل، فإذا وقع من مسلم أمر هو عند مذهب حلال وعند آخر حرام أو مكروه أو أن يكون في أحد المذاهب معاقبًا عليه بعقوبة دنيوية وفي الآخر عقوبة أخروية فما العمل؟ أليس من حق مرتكب الفعل أن يطلب محاسبته على أساس المذهب الأكثر تيسيرًا في هذه الحالة وفي زماننا هذا تتيسر هذه المسألة من وجود وسائل المعرفة وشيوع أدواتها مثل الشبكة العنكبوتية، والوسائط الإلكترونية، ووجود المحامين والخبراء في هذه المسائل وغيرها.

وإذا ترك الأمر لكل واحد أن يختار المذهب الذي يحاسبه وفقًا لمقتضاه فلربما لن يعاقب مذنب، ولن يصل أحد إلى حقه.

فلهذا كانت القواعد القانونية ضرورة شرعية!! ففيها قواعد مجردة وموضوعة سلفًا وغير شخصية ولا تعتمد على المذهب فيما يتعلق بالجاني أو المجني عليه، وسنها ولي الأمر دون مخالفة للشريعة، للحكم في أقضيات الناس ومصالحهم، وهو ما يعرف في العصر الحالي بالقانون الوضعي.

وقولنا في القوانين الوضعية إنها ضرورة مرهون بألا تخالف مخالفة صريحة ليس فيها تأويل لمبادئ الشريعة الإسلامية من عدل ومصلحة ومساواة وتفاضل بالتقوى والشورى بين الناس والحض على مكارم الأخلاق والبعد عن الرزائل والفواحش، فإن كانت كذلك فهي ضرورة شرعية، فأيما كانت المصلحة فتم شرع الله، وإن لم تكن ذلك وجب التناصح والأمر بالمعروف واستعمال الوسائل الشرعية والقانونية السلمية من أجل بيان أوجه الخلل والمخالفة فيها لشرع الله، والتداعي إلى الحكام واحترام دولة الوقت وفقهها والمصالح التي تتوخاها والمفاسد التي تسعي لمواجهتها وإعمال خلق الإعراض والتغافل فى موضعه الشرعي، هذا بالسلم وباللين ودون اعتراض على دور الحكام، ودون تكفير للمجتمع وتجهيله وتفسيقه.

وعلى ذلك فإن معركة تقنين الشريعة بين المؤيدين والمعارضين، لا تعدو في نظري سوى معركة وهمية سببها ذلك الفهم الخاطئ للشريعة ولدور القوانين الوضعية، وأنه إذا زال هذا اللبس وتبين لكل طرف حقيقة ما يسعى إليه والآثار العملية المترتبة على هذا السعي ركن إلي الحكمة والموعظة الحسنة والدعوة بالمعروف والنهي عن التشاحن والتنابذ في هذه المسألة، ثم إن في ذلك رفعًا لسبب من أسباب الشقاق بعد معرفة مضمونه الحقيقي، وإزالة لمكنة الإتجار به حتى لا يعدو “دعاية سياسية” كما سبق القول في تطبيق الشريعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشريعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد