منذ أعلنت المملكة السعودية، بمشاركة عشر دول، الحرب على جماعة الحوثي في اليمن، بدت علامات الارتباك على نظام العسكر في مصر في تعاطيه مع مشهد الحرب، وذلك من خلال التصريحات المتضاربة لقائد النظام العسكري، فالرجل الذي كان يعلن عن تقديم قدراته العسكرية في دعم أي من الأنظمة العربية بمقولته الشهيرة “مسافة السكة”، وأن أمن الخليج خط أحمر يزود عنه بالغالي والنفيس، وجد نفسه، حسب تصريحات وزير الخارجية المصري، أنه غير مدعو للمشاركة في الضربات الجوية التي قامت بها المملكة على الحوثيين في اليمن، مما دفع الإعلام الموالي للعسكر نفي عدم علم نظام العسكر بهذه الضربات، بل صرح بمشاركة جيش مصر بريًّا وبحريًّا وجويًّا في هذه الحملة العسكرية، كما أن البحرية المصرية طردت البحرية الإيرانية من باب المندب.

ثم ما لبث أن أعلن السيسي في معرض كلامه لليمنيين أن جيش مصر للمصريين فقط وليس لأحد آخر، كما أن هذا الإعلان جاء مدعومًا بهجمة إعلامية شرسة ضد النظام السعودي وضد الحرب، مع وقفة احتجاجية أمام السفارة السعودية بالقاهرة تدعو لوقف الحرب، فيما فسره محللون أنه كلام موجه للمملكة نظرًا لإهمال دعوة نظام العسكر للمشاركة، أو أنه جاء نتيجة عدم الاتفاق على ما سيدفع للعسكر مقابل المشاركة، أو أنه مبني على التخوف من الانزلاق إلى المستنقع اليمني، أو أن ذلك سيؤثر على علاقته بالحلف الروسي الشيعي المتمثل في روسيا وإيران ونظام بشار الأسد وجماعة الحوثي.

ولم تكد تمضي ساعات على هذا التصريح، إلا ونسمع عن اجتماع للمجلس العسكري بقيادة السيسي يعلن فيه قرار المشاركة بريًّا في حرب اليمن!! فما هو المتغير الحادث لتغير القرار بهذه السرعة؟ أهي الأوامر الأمريكية بالمشاركة؟ أهي الصفقة الأمريكية برفع الحظر عن توريد السلاح للنظام العسكري؟ أهو الاتفاق على المبالغ المدفوعة “الرز” نظير المشاركة؟ أسئلة تبحث عن إجابات.

إلا أن إعلام العسكر الألمعي، يأتيك بالإجابة.. إن المشاركة ترجع إلى رغبة نظام العسكر إيقاف الحرب وتفويت الفرصة على المملكة وأعوانها من إخوان اليمن “حزب الإصلاح اليمني” من السيطرة على مجريات الأمور هناك. وهي إجابة تدعم ما أعلنه الرئيس اليمني السابق صالح عن انتظار دور للنظام المصري في وقف الحرب، أو ما يقال على لسان إعلاميين مصريين إن النظام السعودي سيتعرض إلى خيانة في هذه الحرب، فهل هذا محتمل؟!
معروف أن الحرب البرية هي التي تحسم المعارك على الأرض، وأن الضربات الجوية مهما بلغت لن تستطيع تغيير المشهد بشكل جذري، إلا أن كلفة المواجهات البرية باهظة الثمن، فالمشاركة بقوات برية كبيرة كما هو معلن “مائة ألف مقاتل” يجعل حجم الخسائر كبيرًا، فإذا ما كانت القوات في وضع هجومي تضاعفت الخسائر، فإذا ما كانت المعارك في أراضٍ وعرة كما هو الحال باليمن لا تعرف القوات المهاجمة كثيرًا عن طبيعتها فإن الخسائر يتعاظم قدرها، فإذا أضفنا إلى ذلك القدرات القتالية التي يتمتع بها جماعة الحوثي مدعومة بالجيش اليمني الموالي لعلي عبد الله صالح، والتي ظهرت معالمها في السيطرة على اليمن في وقت قياسي، أدركنا حجم المذبحة المحتملة، لأبنائنا الجنود بالقوات المسلحة، التي نحن مقبلون عليها.

إن المصريين لن ينسوا مشاركة النظام العسكري في حرب اليمن إبان الحقبة الناصرية من القرن المنصرم، والتي راح ضحيتها عشرة آلاف جندي مصري، وأنفق عليها مليارات الدولارات، ولم يجنِ الشعب المصري من ورائها طائل، ولم يحقق قادة العسكر من أهدافها شيئًا، بل جنى منها الشعب المصري لوعة فقد الأبناء، ومرارة ضياع مقدرات الوطن. فهل يصر العسكر على التضحية بأبناء مصر من الجنود وجرنا إلى حرب لا يعلم مداها إلا الله؟ أم تعاد الحسابات بما يجنب البلاد والعباد ويلات حرب ضروس؟ نحن في غنى عن خوض غمارها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد