يعتبر مطلب استقلال السلطة القضائية مطلبًا أساسيًّا في كل دول العالم، وذلك نظرًا للترابط الوثيق بينه وبين الديموقراطية وتحقيق العدالة. ولأهمية هذا الاستقلال ودوره في تحقيق المحاكمة العادلة وتحقيق الأمن القضائي وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسة القضاء، فإن العديد من المواثيق الدولية نصت في موادها على هذا الاستقلال، فانطلاقًا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته العاشرة والتي تنص على أنه: لكل إنسان (…) الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرًا منصفًا، فمرورًا بالعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية والذي ينص في مادته الرابعة عشر على أنه: من حق كل فرد أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة ومستقلة وحيادية منشأة بحكم القانون. ومن هنا نطرح الاسئلة الجوهرية التالية: ما المقصود باستقلال السلطة القضائية؟ وما هي المعايير المعتمدة دوليًّا في ذلك؟

إن الحديث عن استقلال السلطة القضائية يأتي في إطار ما يسمى بمبدأ الفصل بين السلط، والذي جاء به مونتيسكيو في كتابه روح القوانين، هذا المبدأ الذي يهدف إلى تحقيق فصل بين السلطة التنفيذية (الحكومة) والسلطة التشريعية (البرلمان) والسلطة القضائية (مؤسسات القضاء)، وكما عبر عن ذلك الفيلسوف مونتيسكيو، فإن تجمع هذه السلط الثلاث في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة لهو عين الديكتاتورية، ومن هذا المنطلق الأساسي جاءت فكرة استقلال السلطة القضائية عن باقي السلط لتفادي أي ضغط وأي تأثير قد يمارس على القاضي عند قيامه بمهامه ووظيفيته في الفصل في النزاعات بين أفراد المجتمع.

غير أن الفصل بين السلط لا يعني عدم تعاونها، بل العكس، فالتعاون بين السلط مطلوب جدا لتحقيق المصلحة العامة للدولة والمجتمع، والتعاون موجود حتى في الدول التي تبنت مبدأ الفصل الجامد بين السلط، فالسلطة القضائية في حاجة للموارد المالية والبشرية والنصوص القانونية لكي تحقق ما هو مطلوب منها، هذه الموارد لا يمكن توفيرها إلا عن طريق السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى هذا الأساس يمكن الجزم بأن التعاون ضروري وأساسي، ولكنه يجب ألا يصل إلى حد التأثير على القضاء والتشويش على عمله، وبالتالي إلحاق الأضرار بحقوق المتقاضين والطامعين في عدل القضاء.

ولتحقيق استقلال السلطة القضائية وفق ما نصت عليه الاتفاقيات الدولية والقارية والإقليمية لا بد وأن يكون هذا الاستقلال على مستويين هما: الاستقلال المؤسسي (أو المؤسساتي) والاستقلال الفردي.

الاستقلال المؤسسي

إن استقلال السلطة القضائية يقضي بعدم خضوع القضاء لأية جهة خارجة عن السلك القضائي، ومثالًا على ذلك فإن مؤسسة النيابة العامة في المغرب كانت خاضعة لوزير العدل، والذي يمثل السلطة التنفيذية، وقد شكل هذا الأمر نقطة سلبية وعقبة أمام مقتضيات الدستور حول استقلال السلطة القضائية، وعلى هذا الاعتبار فقد تقرر سنة 2017 نقل اختصاصات وزير العدل للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتفادي تلك الانتقادات التي كانت توجه من قبل المهتمين بالشأن القانوني والقضائي، ليصبح الوكيل العام للملك رئيسًا لمؤسسة النيابة العامة، غير أن هذا الاستقلال لا يعني عدم خضوع مؤسسات القضاء لأية جهة بالمطلق، بحيث تبقى تابعة للسلطة التنفيذية كلما تعلق الأمر بالجانب الإداري والمالي، كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، وعليه فإن هذا الاستقلال يقصد به الاستقلال في اتخاذ القرارات والولاية على الأمور التي تندرج في صلب الاختصاص القضائي.

الاستقلال الفردي والذاتي

من جهة ثانية يقضي مبدأ استقلال السطلة القضائية بتجريم أي محاولة للتأثير على القاضي، وتجريم أي تدخل من شأنه أن يعيق السير العادي للعدالة، هذا من جهة ومن جهة أخرى يمنع على القاضي أن يتدخل في أعمال السلطة التنفيذية والتشريعية. إذن يتضح أن القاضي يجب أن يكون محايدًا تمام الحياد، محايدًا في فصله في النزاعات ومحايدًا في علاقته بالسلطتين الحكومية والبرلمانية، ولتحقيق هذا وجب توفير جميع الشروط والإمكانيات التي تساعد القاضي على القيام بما هو مطلوب منه تحقيقًا للعدالة والأمن القضائي.

إن الحديث عن البناء الديموقراطي للدول والمجتمعات لا يمكن أن يتم دون تحقيق هذا المطلب، فعن طريق القضاء يحصل الأفراد على حقوقهم وحرياتهم وعن طريقه يضمنون الحماية لممتلكاتهم وأنفسهم من أي اعتداء، وغياب هذا الاستقلال معناه الفوضى وعدم الاستقرار وبالتالي غياب التنمية وغياب التقدم والازدهار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!