يتابع:

وأنا أكره أن تأتيني إجابات من شيوخ باعوا دينهم من أجل نصرة ظالم أو مستبد، أو من أجل نصرة حزبهم وطريقتهم كذلك. أولئك المتفلسفون الأفاقون الذين يملؤون الشاشات ويحدثون الناس عن وجوب الصبر، وأحدهم لا يطيق ولا يصبر أن تغلق عنه التكييف ساعة من ليل أو نهار، وأنه لا يقبل بأولاده إلا في المدارس الإنترناشيونال، وربما وجبة واحدة يأكلها تكفي أسرة مثل أسرتي شهرًا كاملًا بل يزيد!

ولهذا أتيتك ولا أريد منك أن تعطيني مالًا ولا أشتهي فعل هذا؛ لأنك حتى لو فعلت وتمكنت من إعطائي هذا الشهر فسوف يصيبك الملل والضجر عند تكرار الأمر ولا ريب، فهو من حيث المبدأ مرفوض عندي ومن حيث العقل والكرامة أيضًا مرفوض! لكني أتيتك تخبرني ماذا أفعل؟! ضاق الأمر وضاق الحال وأنا رجل كما تعرفني أحب دين الله وما يرضي الله!

نعم, ربما أقع في المعاصي وأتوب، لكنني لا أصرّ عليها ولا أحبها بل أبغضها وأحاربها، ولم أقف يومًا مع حزبي أو فاسد ولم أهلل يومًا أو أعذر ظالمًا، لكنني والله أريد من هذا الفقر فرارًا بديني فالفقر أحد أبواب الكفر الواسعة، وأنا أريد أن أحافظ على ديني ولا أدري ماذا أفعل؟

هل أذهب فأحمل السلاح على كل من ظلم وتسبب في هذا الوضع الذي نحياه وفي هذا الفقر المقصود والحياة البائسة؟ أم أنهي حياتي بيدي بذنب أصغر مما يدور في رأسي مع كل ضغطة جديدة وما أكثرها، أم ماذا أفعل؟ فحتى الفرار والخروج من هذا الجحيم لا أستطيعه إلا بالمال الذي لا أملكه، فدلني يا أخي على طريق للنجاة؟!

هنا انخرس لساني ولم يستطع التعبير. وما كان ردي إلا بكاءً. وكيف لا، وكل ما أستطيع أن أدبره له قليل لن يقبله حتى إن توفر، ولا أعرف بابًا أدخل منه كي أوفر له سفرًا أو عملًا يدرّ عليه دخلًا يحفظ له كرامته ودينه أو قل دينه وكرامته في الصحيح.

وتمر الأيام وتنقطع كل أخباره هو وبيته ولا أدري أين هو؟ هل سافر؟ لكنه لو سافر لأخبرني أو لعله سيخبرني عندما ينصلح الحال، أم هل تراه انتحر؟ هل كفر؟ لا أدري ولكني أكرر عليّ وعليكم ذات السؤال أين النجاة؟!

ربما يدرك جميعنا الطريق، والآكد أننا نرى الخطر يقترب بل أصاب منا الكثير ومازال يصيب، وما زلنا نحن في فرقة وما زال كثير منا يعميه كبره ويصمه عن الاعتراف بالخطأ، أو في تصحيح المسار والناس في فتنة, وفارق كبير بين الفقر الناتج عن قلة الموارد على الجميع أو الناتج عن عدم توافر الفرص التي توزع  -عندما تأتي – بالعدل، وبين الفقر الناتج عن الرشوة والفساد والقمع والظلم والطغيان الناتج عن فساد علماء الدين وأهل السياسة والنخبة المثقفة والمفكرة. فما بالك عندما يفسد معهم أهل الفن والزراعة والرياضة والإعلام وهلم جرا، حتى طال الفساد أطفالًا لم يجاوزوا سن السابعة.

أرى والله أعلم أن يبدأ الغني منا في احتواء الفقير حتى يغنيه فيغني غيره، وإذا لم يستطع أحدنا فعل هذا بماله فليبحث عن توفير فرص للسفر لغيره إن استطاع، وعلينا أن نكف عن أن نكون أنانيين لأن الدولة اليوم كما كانت في السابق مشغولة بتسهيل الغنى للغني كي يزداد غنىً، أما الفقير أو المستور فليس له عند الدولة كل يوم إلا ضريبة جديدة، وأسعار في زيادة كل يوم، وراتب لا يسمن ولا يغني من جوع. وإذا صرخ أحدهم وقال “كفاية” فهو عند الدولة وإعلامها إخواني عميل أو طابور خامس، رغم أن معظم الطوابير التي نعرفها وتعرفنا هي طوابير الوظيفة ورغيف العيش والتقديم للمدارس.

وأنتم ترون اليوم الأمة مستهدفة بدينها وتاريخها ومبادئها العظيمة التي أرساها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي ضيعتها الأمة بجهل بعض أبنائها، وبخيانة البعض الآخر، وكذلك كل مستضعف لا يستطيع حماية الكنوز التي يمتلكها كثروات النفط والماس والغاز وغيرها، ويطمع فيها السارقون الجدد القدامى الذين تغيرت طريقتهم في الحياة لكن لم تتغير طريقتهم في السرقة والقتل والاستغلال!

وأنتم ترون اليوم سوريا يجتمع في سمائها طيران الروس والأمريكان بعد تنسيق بينهم وبين النظام السوري، وأحدهم يدعي ضرب نظام الأسد والآخر يدعي محاربة داعش، لكن المضحك المبكي أنه لا هذا ضرب نظام الأسد ولا الآخر ضرب الدواعش. واليوم الشعب السوري بدأ يخط طريقه الحقيقي نحو النصر في حربه العالمية ضد المصالح الأمريكية والروسية، والتي يشترك فيها الإيرانيون والصينيون وداعش وبعض الأنظمة العربية والمسلمة، والتي تساند ذلك النظام المجرم ضد شعب لا يريد لهذا المجرم ولا نظامه أن يبقى.

إن الشعب السوري عليه أن يعي الدرس في التفاوض من التجربة الأفغانية السابقة، ومن تجارب الربيع العربي؛ فلا يوجد بديل عن الإطاحة بكل رموز النظام السابق التي لا تصلح حتى للتفاوض، وإيجاد نظام بديل قوي قادر على البقاء حقيقة وليس في الكتب والمنابر، وإلا كانت النتيجة أن ننتهي من الظالمين لنمهد الطريق نحو ظالمين جدد أو فوضى يقتل فيها بعضنا بعضًا.

والأمر صعب ومعقد، وكان الله في عونكم على ما تلاقونه، لكن الله قادر فتوكلوا عليه كما لم تتوكلوا عليه من قبل. وهذا أيضًا ينطبق على أهلنا في اليمن؛ فعليهم أن يدركوا أن مسرحية الرئيس الذي لا يملك أن يحمي نفسه، والذي كان بالأمس ابن النظام السابق بنفس خطابه العام الموجه نحو المجرمين الكبار في هذا العالم القاتل، الذي لا يهتم بسيلان الدم الحرام، أو الانتهاكات والأوجاع، أو حرية وديمقراطية، وغيرها من الشعارات الكبيرة، بل إن كل ما يهتم به هو تحقيق الصفقات المشبوهة لأتباعه ولنفسه، وإضعاف كل الأيديولوجيات أو العقائد القادرة على خلق نظام جديد يستحيل السيطرة عليه، وفي مقدمة تلك العقائد الإسلام.

فعلى أهلنا في اليمن وفي ليبيا أن يدركوا هذه الحقيقة، وهي أن انتصار التحالف على الحوثيين أو انتصار الحوثيين على التحالف هو خسارة لليمن كلها. لكن الذي يجب أن ينتصر على الحوثيين وصالح والنظام العالمي المجرم القاتل هو الشعب بإمكاناته، وإلا فالشعب الذي يحتاج إلى دول كبرى كي تحقق له النصر شعب مربوط في حبل القوى الكبرى تحركه كيفما شاءت. وإلا فإن المجرمين السابقين لن يتنازلوا عن أفكارهم أبدًا في قوة أو ضعف، فهو ثأر لا يهدأ بين إبليس وآدم إلا إذا استعانت تلك الشعوب بتلك القوى استعانة مؤقتة، يتبعها بناء حقيقي للقوة الداخلية. ولكن هذا له مقدمات جلية وليس مجرد كلام جميل أو حمل للسلاح.

فيجب علينا أن نتحرك “جميعًا” حراكًا سريعًا مبنيًا على أسس واضحة له خطط آنية ومتوسطة ومستقبلية، يستفيد من خبرة الرموز التي ظلت مع أهداف الثورة الأم، الثورة النقية التي لم تحمل في حراكها نفسًا طائفيا أو تقسيميًّا.

وكثير من شباب الثورة لا يزال على عهده الأول ضد الفساد والاستبداد، يحلم ويعمل رغم ما يلقاه ويتحمله من أجل أن تعلو كلمة الله، التي لا ترضى بفساد أو ظلم أو استبداد أو “ثيوقراطية” من أي مصدر، شأنه شأن الشريحة الكبيرة من تلك الشعوب التي تحلم بكرامة حقيقية وعدالة اجتماعية وحرية ولقمة عيش، لا تأتي بالذل والحرب وخسارة النفس والصحة من أجل فتات لا يسمن ولا يغني من جوع، بكافة أدياننا التي نؤمن وأيديولوجياتنا التي نحمل.

وإن لم نتحرك فالنظام العالمي دعم وسيدعم كل النظم المستبدة التي تطعمه وتسقيه من لحم هذه الشعوب ومن أقواتها، وعلى حساب صحتهم وسعادتهم، كي ينعم المستبد وسيده بالمال الحرام الذي جنوه من هذه الدماء، التي صرخ أصحابها وقالوا: لا. وإن الإبل الرافضة تسليم ضرعها للحلب للمغتصب إذا لما تساعدها أخواتها ستقتل، ثم يستدير القاتل ويصوب سلاحه نحو التي تركت أختها واستكانت فيحلب من المستكينة أضعاف ما كان سيحلبه في وجود الإبل المقاومة؟!

فهو يريد تعويض الخسارة ولا بأس وقتها بأن يموت بعض الإبل التي رضيت بقتل من قالوا لا جوعًا أو إهمالا، ووقتها سيعم الذل والظلم الجميع وكما قال الأولون: (أكلت يوم أكل الثور الأبيض). وثورنا الأبيض هو كل شاب وشيخ يقول لا على طريقته ويحلم بتغيير حقيقي، فالفقر ضعف وعوز، وماذا يحتاج الطاغية أكثر من هذا كي يملك رقاب الملايين ومن ثم يلهيهم بأن الله هو سبب هذا الفقر والعوز، عن طريق أبواقه صراحة أو تلميحًا ثم يرددون على مسامع الناس ألا يرى الله أحوالكم؟ ألا يرى الله آلامكم؟!

كما لو أن الله لم يقل للناس غيروا ما بأنفسكم، وكما لو أن الله لم يقل للناس العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص، وكما لو أن الله هو من غشَّ سلعنا واعتقل أولادنا وأفسد علينا أخلاقنا. وكما لو أن الله هو من ضارب بنا في البورصة وباعنا للعدو جهارًا نهارًا. وكما لو أن الله سبحانه هو من جعل الخوف لنا شعارًا يسكت به بعضنا بعضًا خوفًا من الظالم والعدو حينًا، وتملقًا وضلالًا أحيانًا أخرى.

وكما لو أن الله خلقنا عبثًا بلا هدف ولا رسالة، يظلم بعضنا بعضًا، ويقتل بعضنا بعضًا، ويأكل القوي منا الضعيف، لا نقيم للرحمة فينا وزنًا، ولا نحاسب مجرمًا على جرمه، حتى إذا بلغ سيل الظالمين رابية لا يعلوها الماء، توجه بعضنا إلى الله قائلين ألا ترانا!

والمشكلة أن الله عندما يظهر عورات المفسدين الظالمين ببعض الأحداث البسيطة، وبدلا من أن يثور الناس على الظلم والظالمين، يثور البعض على الله وينادي عليه سبحانه وتعالى “مش كفاية كدا؟”!

أظهر الله لكم عوراتهم جميعًا من فصائل شتى ومن أحزاب وطرق مختلفة، وحتى من كاد وكذب أظهره الله. فثوروا على الظالمين واستعينوا بالله في سعيكم ولا تكونوا كالذين لا يعقلون، وفتنة اليوم لن تصيب الذين ظلموا منا خاصة، وهذا الوجع والألم يجب أن ينتج عملًا جادًا وحراكًا لا عجزًا، يعيد لنا كرامتنا المهدرة وحقوقنا المهضومة.

وليكن السير نحو الهدف حسب خطة واضحة محكمة، يتفق عليها من قالوا لا في وجه من قالوا نعم. وليصبر من يستطيع الصبر، وليساعد الغني الفقير، وليفر بدينه أو بنفسه من يريد ذلك ولا يحتمل الصبر وتبعاته، ولكن لتبقَ الثورة وإرادة التغيير شعلة نحيط بها جميعًا؛ غنينا وفقيرنا، قوينا وضعيفنا، حتى يعم نورها تلك الأراضي التي نالها ما نالها.

 

وكما قال الثائر الكبير مالكوم إكس رحمه الله:

إذا لم تكن على استعداد للموت في سبيل الحرية، فعليك أن تشطبها من قاموسك.

 

لا يستطيع أحد أن يمنحك الحرية، ولا يستطيع أحد أن يمنحك المساواة أو العدالة أو أي شيء آخر، فإن كنت رجلا فعليك أن تأخذها بنفسك،لو اضطررت للتوسل إلى رجل آخر من أجل حريتك فلن تنالها أبدًا، فالحرية شيء يجب أن تناله بنفسك.

لقد تعلمت باكرًا أن الحق لا يُعْطى لمن يَسْكت عنه، وأن على المرء أن يُحْدِث بعض الضجيج حتى يحصل على ما يريد، وكما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: لو أن الناس كلما استصعبوا أمرًا تركوه ما قام للناس دنيا ولا دين .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد