«لو كان الفقر رجلا لقتلته» تلك المقولة التي سيء فهمها في غزة وتدحرجت وزادت بتراكم أعذار الفاشلين عليها، حتى أصبحت بحلتها الجديدة إن كنت فقيرًا سأقتل من حولي، سأقتل أخي وسأقتل جارتي المسنة التي لا حول لها ولا قوة، سأقتل براءة جيراني وسأقتل طهارة أرضي، وليس مهمًا إن كان المقابل بضعة شواكل قليلة لن تسد رمقي لبضعة أيام فقط.

أحاول الحديث عن الأمر دون تهويل، ودون أن أصل لمرحلة أن أتكلم عن ظاهرة من الجرائم باتت تقض مضاجع الجميع، وما نراه الآن منها يعتبر كارثيًا ومن الجرائم البشعة وخلال أيام قلائل، فإني ورغما عني سأتحدث بنبرة قاسية لكل أولئك الذين غابت ضمائرهم، وتلبستهم الشياطين لينفذوا جرائمهم بدم بارد، وبانسلاخ كامل عن الروح الإنسانية النقية التي جبلتنا عليها الفطرة الإلهية، وبغياب كامل للوازع الأخلاقي والديني الذي تفرضه علينا الشرائع السماوية جمعاء.

إن الفقر والجوع والمصائب ليست جديدة على أي مجتمع أو أي شعب سواء عربي أو غير عربي، مسلم أو غير مسلم، تلك هي الحياة ونحن مجبرون على التعايش ومحاولة التغيير، بل ومطالبون بالوصول بحياتنا إلى أرقى مستوى من الكرامة والنقاء، ولكن بحدود إمكاناتنا، ليس مطلوبًا منا قتل أنفسنا لنصل إلى ذلك المستوى المتدني من الهمجية، أو قتل غيرنا لنحل مشاكلنا على حساب أرواحهم.

وليس مبررًا أبدا لخريج لم يجد عملًا أن يُحمّل مسؤولية نفسه كاملة على مجتمعه، ويتنصل من مسؤوليته عن فشله أو عن عدم حصوله على فرصة عمل، وليسأل نفسه ذلك السؤال: لماذا الآخرون ينجحون؟ ،ما الذي يجب على فعله لأكون ناجحًا؟ إن البكاء والعويل لا يساعد إطلاقًا، وليقف كل منا مع نفسه وقفة صادقة وليحاول أن يتعدى الفشل، ولذلك طرق كثيرة ومتعددة وأقلها هو التعايش حتى يحدث الله أمرًا كان مفعولًا.

لنا أن نتحمل مسؤولية أنفسنا ومسؤولية حياتنا ومسؤولية اختياراتنا، وأن نكف عن التمسك بشماعاتنا التي نخلقها عمدًا، ونحاول التمسك بها لكي تكون المبرر الذي نرتضيه، ونبرر ذلك لأنفسنا كل صباح أننا مظلومون وأننا نحتاج الشفقة والدعم الذي يصل بنا لأن نحمل أوزارنا لغيرنا، تلك الشماعات التي تنوعت وتعددت ما بين الظروف الاجتماعية أو السياسية أو العائلية أو غيرها، هي أحداث وعلينا تجاوزها وليس التمسك بها لنلقي عليها بكل فشلنا وتقصيرنا.

إن كان الفقر مبررًا لأن نقتل فلمَ لم يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ربط على بطنه من الجوع؟ ولم يقتل الصحابة حينما وصل بهم الفقر حد الفتن؟ وإن كانت المحن السياسية مبررًا ليقتل الإنسان أهله أو ابنه أو زوجته فكان الأولى أن تنتشر هذه الجرائم في عهد الخلفاء وما بعدهم من الفترات التي تعرضت لها الأمة الإسلامية من الفرق والشيع والأنظمة المتعددة، ولو كان الإهمال في رعاية الأبناء مبررًا لأن نهنئ السيدة التي أشعلت بيتها بالشمع وتركته ليلتهم صغارها، فلتلقي النساء أولادهن للشوارع، ولتقف أمام شاشات التلفزة، وكاميرات صائدي الفضائح ومحبي إثارة الفتن، وتلعن الحكومات وتسب الشمع وتندب حظها أنها ولدت في هذه البقعة، ولنلقي باللوم على تلك السيدة المسنة التي تعيش وحدها، أو على تلك التي عانت ظلم أبيها أو أو …

كفانا هراء وكفانا إهدارًا لما بقي لنا من مجتمعنا العربي الإسلامي الكريم، افيقوا وانتبهوا لمن يبثون السم في كل ملامح المجتمع من أفكار مدسوسة في لباس حق المرأة وحق الخريج وحق …

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفقر, المجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد