أحد أقرب الناس إلي جاءني يحدثني، فى وقت لا أقابل فيه أحد، ولا يمكن أن أجلس فيه مع أحد، لكن مجيئه المفاجئ كان ينبئ عن أمر جلل وبالفعل كان.

حدثني الرجل، وهموم الدنيا فى حديثه، عبر عنها وجهه وتنهيداته التى تشبه الأعاصير، حدثني كما لم يحدثني من قبل، حدثني كمن يزيح الجبال عن صدره، وهو يعلم أن الكلام لا يزيحها، لكنه تحدث فلربما يلقى مجيباً.

ربما حدثني لأنه قد جرب معي من قبل أن حديثه الصغير أو البسيط لا أنقله ولا أحدث به حتى نفسي بعد أن تنقضي جلستنا وهذه عادة من الله بها على فله الحمد.

قال لي:

إن الفقر يحاصرني ويعتصرني كما تعتصر الأفعى فريستها فى بطء وألم رهيب، لكنه اعتصار لا سم فيه يخدرني، بل أشعر فيه بكل ضغطة، وبكل عرق ينفجر، وكل ضلع ينكسر، ولا أملك فرارا،

ثم قال : لقد حاولت تغيير وضعي، لكنني فشلت؛ لأنني فقير فقد حاولت تعديل شهادتي لشهادة أعلى فلم أستطع، وحاولت الحصول على “كورسات” فى بعض البرامج أو لتحسين اللغة بغرض السفر، ولم استطع، فقط لأننى فقير!

ومن يتحدثون أن الفقر لا يمنع من هذا فهم كذبة أو أشخاص حالفهم الحظ الذي لا يحالف الجميع، والذي لا يمثل إلا نفسه، ولا يمكن اعتباره تجربة أو أداة للقياس، أو يعيشون فى بلاد توفر للفقير مكتبة عامة تحترم العلم والبحث والباحثين وخدمة صحية مجانية عالية الجودة تحترم النفس وتعذر المحتاج، ولأنه لو كانت هناك مكتبات راقية كمثل ما نتحدث عنه فى بلادنا لكان هذا واضحا جليا فى الكتب المدرسية ومناهج التعليم، وهذه الكل يعلمها ويعلم أساطينها وجودتها.

يكمل قائلاً: وأنا لا استطيع أن أطعم نفسي وأولادي طعاماً طيباً؛ لأن الطعام الطيب يتطلب نفقة كبيرة فأنا مرغم أن آكل أنا وأولادي من هذه السموم التى أعلم يقيناً أنها سموم وأن ضررها أكبر من نفعها، لكنني مضطر؛ فقط لأني فقير لا أملك إلا هذا وبيتي القديم الذي طالته الشروخ وأوجاع الزمن لا أستطيع تغييره أو إصلاحه، ولا أستطيع حتى أن أفارق جيرة السوء التى تحوطني والتي تؤثر على بيتي وولدي خلقياً ونفسياً؛ لأنني فقير لا أملك مالاً أشتري به بيتا لنفسي فى موقع أحبه أو أرتضيه يعطيني جزء من خصوصيتي التى اشتهي وأريد، لكنني لا أملك لأنني فقير.

وكذلك أنا مضطر أن أركب تلك المواصلات البالية الحقيرة التى لا تصلح حتى لنقل البهائم، بل والله إن نقل البهائم فيها حرام، وكم مزقت من ملابس لي، والتى إن تمزق منها واحد عانيت الأمرين؛ حتى أتمكن من شراء آخر يسد مكانه مستعملاً كان أم جديدا , والتى كنت أتمزق معها حين أسمع صوت القطع وأنا أحاول الركوب أو النزول وكما تعلم ف”طقم” واحد منها ربما يكفيني سنوات عدة حتى أتمكن من شراء “طقم” جديد !

ناهيك عن الأجرة التى تزيد بداع وبغير داع والسلوكيات المشينة التى نشاهدها ونسمعها والعراك الصباحي، حتى تتمكن من الركوب، أو على الأجرة، أو حتى على مكان النزول، ناهيك عن أن المواصلة أصبحت ملكية خاصة، وأصبح سائقو الأجرة عبارة عن عصابات مصغرة، تجامل بعضها بعضا فى ضرب الزبون وإهانته أو تأديبه إذا اعترض أو طالب بحقه فى تهدئة السرعة أو فى إخفاض أو إغلاق تلك الأغاني الماجنة أو غيرها، والدولة بالطبع بعيدة عن هذا تماما وتتركنا نصارع وحدنا؛ لأنها تبدو مشغولة بأمور أخرى ليس من بينها المواطن وما يريد.

حتى وجعي ومرضي لا أستطيع أن أعالجهم إلا بدواء تعلمه، لا يسمن ولا يغني من جوع، وحتى هذا لا أملك أن أسايره أو أستمر معه طويلا؛ لأني فقير، بل لو أن واحدا من أولادي الأربعة مرض أو توجع خفت ودعوت الله أن يمر الأمر بسلام؛ لأنني أعلم أنى لا أملك ما يجعلني قادرا على إعطاءئه ذلك الدواء، فما بالك لو مرض أكثرهم، أو كان مرضا مزمنا!

وأنت ترى أن الدواء أصبحت له أولوية عندي فكم من الأوجاع والآلام التى تسكن جسدي منذ سنوات وكم من العلاج والكشوف التى احتاجها أنا وزوجتي، لكنني أؤثر أولادي على نفسي حتى يتمكنوا من العلاج؛ فهم لم يزالوا صغارا.

ووالله يا أخى لولا علمي أنك لست من هؤلاء الذين ينعرون بأن الفقر ليس عيبا، لكنهم فى قصيد آخر يخبرونك أن رسول الله استعاذ من الفقر أو ممن يحدثوك أن تعمل بأى عمل؛ لأن العمل ليس عيبا رغم أنهم يدركون وضعك وسنك وما تطيق، وأن النفوس مختلفة فى القبول والرفض.

بل إن بعض هؤلاء لو جئته بمثل ما يعرضه عليك لعدها مسبة وإهانة، لكنه الفقر الذي يدخل الجميع فى كل تفاصيلك، ولولا هذا ما جئتك وألقيت على مسامعك حديثي.

قلت له : نعم , أنا لا أدعم هذا ولا أؤيده حتى أن أحدهم يطلب من شاب أن ينفق من عمره خمس سنوات في العمل كحارس أمن أو عامل نظافة، ثم فى نهاية المطاف يخطئ خطأ هيناً أو يغيب لمرض فيتم طرده وتبدأ تلك الرحلة البائسة من جديد، بل إنه عندما يكبر سنه وتزيد مسئولياته لا يجد ظهرا من غنى يستند إليه، لكن الأمر يحدث كما لو أنه مقصود، بل هو مقصود!

فالفقر خير سلاح للطغاة فالفقر دين وهم ووجع والفقر، يجبرك على الدخول فى دائرة الصراع اليومي للحصول على رغيف قذر وغموس سام، والفقر يجبرك على أن تكون عبداً قد طوقته قيود مصاريف الولد والزوجة ومصاريف الحياة إن صحت تسمية ما نعيشه أنها حياة !

هنا قاطعنى وقال لي:

تدري يا أخي ؟ قبل الزواج كنت لا أحتاج لأحد وكان المال يكفيني، وكيف لا فأنا فرد واحد أشتري الثوب الذي أريد وآكل ما أريد، لكن بعد الزواج لم يزد الراتب، وفى المقابل زاد أفراد عائلتي الخاصة ومتطلباتهم، حتى أننى صرت ألعن ذلك اليوم الذي تزوجت فيه وأنجبت فيه الولد، ومما زاد في الأمر أن الله قد ابتلاني بزوجة تعلم الحال وما فيه، لكنها كالعمياء تطلب بلا تفهم وتصر على الطلب وأنا فى عجز تام أخبرها أننى لا أملك فيزيد إصرارها فلا أشعر إلا ويدي قد نزلت على جسدها ضربا، وإلا فكيف أخرس كل تلك الأوجاع التى تعتريني وأنا عاجز أمام زوجتي وأمام نفسي، ومما يزيد الطين بلة أن زوجتي تجعل الأولاد يأتون إلي يطلبون مني وهى تعلم علم اليقين أنني لا أملك!

وكم تحدثت فى هذا تصريحا وتلميحا وكم فكرت مرات فى تطليقها، لكننى لم أفعل لأنني أجد فيها وفى كثير من تصرفاتها الأخرى تصريحا وتلميحا بالحب وبإرادة الاستمرار وأحيانا الاعتذار فأسكت وأردد : “لا يفرك مؤمن مؤمنة…”

وقد حدثتها مرارا أنها فى حل من أمرها إن أرادت الطلاق، وأننى لا أرغمها على العيش معي فى ظل هذه الظروف التى قد تطول ولا أعرف متى تنتهي فتقول بلسانها : (أصبر) لكن الكثير من أفعالها تقول : (لا أطيق)!

ناهيك عن تديني الذي تدنى وأنا فى صراع كل يوم مع أشكال تحب الفجر فى الخصومة والكيد والشر للناس لمجرد الشر وبعضهم يحب “المريسة” من أجل التسلط والإحساس بالعظمة، وأنت فى كل يوم تحمل سيفك وتقاتل هذه الأوجاع بصمت، حتى الجرأة التى كنت أملكها من قبل وأنا منفرد لم أعد أملكها بنفس القدر القديم فاليوم إذا قال لك مدير العمل : اذهب من هنا أو أنهى عقدك بمعنى أدق فأنت أمام باب من أبواب التسول والدين حتى تستطيع أن تكفي طلبات المدارس والطعام والملابس الزهيدة أصلا مع ما تتقاضاه من راتب زهيد!

ففى السابق كنت تستطيع خوض المعارك غير آبه بالعواقب أما اليوم فأنت تحسب لأي خطوة تقدم عليها ألف حساب لكن هذا أيضا لم يضعف روح الثورة فى داخلي ولا الوقوف ضد هذه القذارات رغم الفقر والعجز والحاجة.

حتى الهجرة والبحث عن عمل فى بلد آخر والبحث عن أبواب أخرى للرزق لا أستطيعها؛ لأنها تحتاج إلى وساطات أو أموال، وأنا لا أملك أيا منهما لأنني كما أخبرتك فقير! دخلت فى مشاريع، لكنها خسرت وخسرت فيها القليل الذي أملكه أو كنت أملكه، وكم قلت : يارب يارب ! ولا أدري هل أقول يارب قربة لله وظنا جازما فى الإجابة أم أقولها لأنني لا أملك بابا غير باب الله أطرقه ؟

وهل لو كنت غنيا أو أملك واسطة ما هل كان توجهي إلى الله سيكون بهذه الصورة وتلك الحسرة وهل هذا التوجه تدينا وخشية أم أن الوجع أخرج النداء فى هذه الصورة وأنا لا أدري ماذا يصنع الله لي فى الغيب ؟ نعم لم يجب الله دعائي كما أردته، ولكن هل رد سوء كاد يقع علي بمثل ما دعوت أم ادخرها لي فى الآخرة أم ماذا؟

لكن ما أعلمه اليوم يقينا أننى في حاجة إلى أن يجيب الله دعائي فمن يجيب دعوة المظلوم والملهوف وذي الحاجة إذا لم يجبها الله ؟

ومن يقصم الظالمين والفسدة والطغاة إذا عجز أهل الإصلاح ومن يسعون إليه إذا لم يفعل الله ؟ وأنا الذي يصرخ من داخله ولا يسمعه أحد إلا الله (متى نصر الله) ؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد