هناك سؤال جوهري، قد يتساءله كثيرون، كيف سيتصرف الإنسان لو استلم السلطة المطلقة ولم تكن عليه أدنى رقابة؟ هل سيكون صالحًا تردعه أخلاقه؟ أم أنه سيستغل طاقته وسلطته لتحقيق مآربه وأهدافه وأطماعه؟

في سنة 1971، قام فريق من الباحثين في جامعة ستانفورد المشهورة والعريقة في أمريكا بتجربة سميت “تجربة سجن ستانفورد”، تم تجهيز قبو الجامعة على شكل سجن، كما تم تقسيم المشاركين في التجربة من طلاب الجامعة إلى سجّانين وسجناء، حيث قبض السجانون على السجناء من منازلهم وأودعوهم هذا السجن. وتم إعطاء الحرية للسجانين لعمل أي شيء يرونه مناسبًا لتثبيت الأمن في السجن وضبط السجناء.

كان المفترض أن يستمر الاختبار لمدة أسبوعين، ولكنه تم إيقافه بعد مرور ستة أيام فقط، وذلك لأن الموضوع قد خرج عن السيطرة، حيث إن السجانين بدأوا يستخدمون سلطاتهم بشكل متعسف وظالم؛ حيث قاموا بتقسيم السجناء إلى جيدين وسيئين، ووضعوا كل مجموعة منهم في زنزانة مختلفة، كما أجبروا بعض المساجين على النوم عراة على البلاط البارد، وتم منع بعض المساجين “العصاة” عن دخول الحمام أو عن الطعام.

كما أن المساجين أنفسهم تقسموا إلى عدة أقسام، فالغالبية خضعت للموضوع وكأنه سجن حقيقي، فيأس بعضهم واستسلم للذل والخضوع، كما أن بعضهم الآخر ثار وعصى الأوامر. الغريب أن السجناء، مع أنهم يعرفون أنها مجرد تجربة، ولكنهم تصرفوا وكأنهم سجناء حقيقيون. وهذا كان هدف التجربة، قياس مقدار الانصياع والطاعة حين يتم وضع الإنسان في وضع معين.

ولكن، هناك أيضًا نتيجة أخرى للتجربة، وهي التي تهمنا في هذا الموضوع، وهي التي لفتت انتباهي وألهمتني لكتابة هذا المقال. النقطة هي أن السجانين تعاملوا وكأنهم سجانون حقيقيون، فقاموا بتعذيب زملائهم نفسيًا، وحرمانهم من كثير من مستلزمات الحياة الطبيعية، كالطعام والحمام، بل ووضعوا بعضهم في زنازين انفرادية.

الغريب هو أنهم قاموا بكل هذه الأمور حين أعطيت لهم الإشارة الخضراء، وألا محاسبة لكم، وأن لكم أن تفعلوا ما تريدون دون قوانين أو شروط، رغم أنهم كانوا من الطلبة المتميزين في الجامعة، مما يعني أنهم من نخبة المجتمع.

فنعود للسؤال الأساسي الآن، هل الإنسان يصبح سيئًا حين تعطى له السلطة المطلقة؟

أظن أن الجواب هو نعم، إن لم تكن هناك رقابة أبدًا. فالإنسان بطبعه لديه نزوات وشهوات يريد إشباعها، سواء أكانت شهوة المال، أو شهوة السلطة، أو شهوة القوة أو غير ذلك. ولأجل إشباع هذه النزوات سنراه يفعل كل شيء، فقد يتجبر، وقد يطغى، وقد يظلم، وقد يتجبر، والأمثلة في التاريخ كثيرة، من فرعون إلى جالوت، إلى جبابرة عصرنا مرورًا بكسرى وقيصر والنمرود.

بالمقابل، هناك أيضًا من لا تغيره السلطة، ولا تؤثر عليه، بل قد تزيده عدلاً ونزاهة واستقامة، ولنأخذ مثالاً على ذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. عمر بن عبد العزيز كان أميرًا أمويًا كسائر أفراد العائلة الأموية، يتمتع بالمال الوفير والأراضي والممتلكات ويستطيع امتلاك أي شيء. ولكن العجيب والغريب، هو أن عمر بن عبد العزيز حين تولى الحكم تغير تمامًا عن ماضيه وعن ماضي أسلافه. حيث إنه قد ترك كل ممتلكاته، ورفض أن يأخذ من مال الدولة ما لا يحق له، ثم أمر امرأته أن تعيد ما لديها إلى بيت المال إلا ما كان ملكـًا أصليًا لها، وكذلك فعل مع سائر البيت الأموي.

هذا الانقلاب كان غريبًا جدًا، فهو حالة نادرة قليلة التكرار في التاريخ. فما الذي جعله يرغب عن الدنيا حين أتته بكل ما فيها؟ ما الذي منعه من البطش والجبروت حين قدرته؟ كان ما منعه هو رقابته الداخلية، أو مراقبته لله سبحانه وتعالى. فالمؤمن الحقيقي يعلم أن الله سبحانه وتعالى يراقبه في كل مكان وفي كل تصرفاته. وهذا بحد ذاته يعتبر رقابة تمنعه من أن يبطش ويتجبر.

كلنا نعرف القصة التي كانت تحكى لنا في طفولتنا، أن أستاذًا أعطى دجاجة لكل طالب وقال لهم أن يذبحوا الدجاجة في مكان لا يراهم فيه أحد. فعاد أحد الطلاب في اليوم التالي ولم يستطع ذبحها، وحين سأله الأستاذ عن السبب قال إنه حيث ما ذهب وجد أن الله سبحانه يراه في ذلك المكان. هذه هي الرقابة التي نتحدث عنها.

هذه الرقابة، أعلى وأكبر وأشد من كل الرقابات، فهي رقابة دائمة مع الإنسان، لا يمكنه التحايل عليها ولا الاختباء منها. فحين يكون على صاحب السلطة رقابة دنيوية، سيسعى للتخلص منها، أو التحايل عليها لكي يتمكن من أداء ما يريد دون أن تدرك الرقابة ذلك، أما مع هذه الرقابة الإلهية، فذلك مستحيل تمامًا.

نأتي هنا لسؤال مهم، هل الأخلاق والقيم تحتاج إلى دين يضبطها أم أنها قد تضبط نفسها بلا دين؟

ناقش هذا السؤال كثير من الناس، بين مثبت أن الدين أساس للأخلاق، وبين زاعم أن الأخلاق لا تحتاج لدين. أما أنا فأرى أنه لا بد من وجود دين لتثبيت الأخلاق. فالأخلاق قد تكون موجودة ومترسخة لدى الشخص سواء كان متدينًا أم لا. ولكن بقاء هذه الأخلاق وانقياد الإنسان لها في سائر ظروفه، يحتاج غالبًا إلى وجود دين يثبتها. فالشخص غير المتدين، ليس عليه رقابة داخلية، فلا رقابة له إلا من ضميره. فلو حصل وأن تراجع ضميره أو سكت لأي سبب من الأسباب كخوف أو جزع أو غضب فقد يتنازل عن كامل مبادئه وأخلاقه حيث لا مثبت لها ولا مرسخ.

فنتوصل إلى أن الإنسان لو لم تكن عليه رقابة أبدًا، لتجبر وطغى وسعى في الأرض فسادًا رغبة منه في إشباع نزواته، ولا يمكن له أن يمتنع عن هذا الشيء إلا بوجود رقابته الداخلية، التي لو انعدمت لم يعد لديه أي مانع من ارتكاب أي شيء أراده.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد