في روايته الأخيرة «جو العظيم» يقوم أشرف خمايسي بوظيفته ككاتب ومثقف حقيقي بعدم إدارة ظهره لما يحدث حوله في المجتمع من غياب للوعي وتمادٍ للممارسات السياسية المستبدة، هذه الرواية لم تنفصل بشكل كلي عن مشروع الخمايسي في جوهره، بل هي تمارس تصادمًا آخر مع المجتمع وتعريته أمام ذاته.

على متن القارب «جو العظيم» وقبطانه الريس زبيبة ومساعده حمود ومائتي مهاجر غير شرعي يريدون الوصول لإيطاليا، يخلق لنا الكاتب صورة مصغرة لمجتمعنا، ليس الأهم هنا هو رسمه لسيكولوجية السلطة المستبدة بقدر ما تكمن الأهمية في رسمه للمجتمع بطوائفه. يتعمق الكاتب في النظر إلى المجتمع وأهم الشخصيات التي تشكل بنيانه، وتُعد الرواية بالكامل ضربًا من التأمل في العمق الإنساني للشخصيات حسب أيديولوجياتهم.

أول إشكالية تقابلنا هي اختيار الريس زبيبة لكلمة كابيتانو عوضًا عن قبطان لأنها أرق وأكثر رشاقة، وعندما يخبره أحدهم أن الاثنتين تؤديان إلى نفس المعنى ولكن باختلاف بسيط أصر على تمسكه برأيه.. وبهذا يضع الخمايسي الحجر الأول للرواية بإقراره بعدم أهمية المسمى في الحقيقة، وبشكل سياسي يمكن أن نراها كشف لتشابه الاشتراكية والرأسمالية طالما أن الأصل هو الاستبداد والتسلط أيًا كان المسمى، نرى الريس زبيبة في البداية يعلن نفسه بأنه مثل رئيس الجمهورية أو الملك أو السلطان ولا يسمح لأحد بمقاطعته ولا الاعتراض عليه ولا السخرية من قوانينه حتى إن كانت عبثية ولا معنى لها.

أما عن شخصية حمود هي الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها الريس زبيبة لتحقيق سلطته وممارسة الاستبداد والبطش بالمخالفين، هو مساعده على السفينة والمسؤول عن أن يكون الأمن مستتبًا، نراه في أول تدخل أداه لفعل ما يأمره به الريس زبيبة كأن يلقي من سخر من قوانين الريس زبيبة في الماء لكي يجعله عبرة كي لا يتجرأ أحد على مخالفة قوانينه مرة أخرى.

شخصية بيضون الرائد هي واحدة من أثرى الشخصيات التي رسمها الكاتب، شخصية لا تقل أهمية عن شخصية حمود ليبسط الريس سلطته على عوام المركب، الشيخ بيضون هو الذي يعطي شرعية على أفعال زبيبة مهما كانت، من يسخر آيات القرآن لخدمة السلطان، في تعليقه الأول الذي يرسم شخصيته يعلق بيضون على منظر شندل فنوس المعلق على صاري المركب من شدة ازدحامه، وكانت مشكلة بيضون أنه معلق بشكل مصلوب كالمسيح، والتعليق الثاني التشريعي كان في تعليقه بعد أن رمى حمود الشخص الذي سخر من الريس في البحر، بقوله: «وأطيعوا الله أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» وكان لهذا مفعول السحر لتهدئة الناس على المركب. وأدرك زبيبة أن حمود بكل ماله من قوة وهيبة لم يستطع أن ينشر السكون والهدوء في المركب بقدر ما فعل قول بيضون بطاعة الولي، فجعل من بيضون مساعدًا له وظهر.

أما عن شندل فنوس المصلوب على صاري السفينة يصرخ: «إيلي إيلي، لم شبقتني؟» فهو تمثيل لمعاناة هذا الشخص على المركب الصغير وشعوره بالاضطهاد، وبالاسفل كان هناك عشرين من أصل مئتين هم فقط من يتضرعون للإله أن يخفف آلامه وفي نفس الوقت فرحين لأن أحدهم يعاني كما عانى السيد المسيح، وفي هذا إشارة خفية من الخمايسي في تجسيده لرد فعل العشرين الآخرين من معاناة شندل وكيفية نظرتهم لها.

ويقدم ياسين جرباية الفنان التشكيلي شخصية المثقف الذي يتجاهل الجميع وجوده مهما كان مفيدًا، فها هو يتطوع بإجابة سؤال زبيبة عن من هو إيلي الذي يصرخ باسمه فانوس وقد أقسم أنه لن يطلع بالسفينة قبل أن يفهم، وبعد أن يخبره ياسين نجد زبيبة يأمر بطلوع المركب ويهلل العامة بفرح إقراره متجاهلين موقف ياسين المهم الذي جعل زبيبة يأخذ قراره. وعندها أدرك زبيبة أهمية شخص مثله السلطة فدعاه إلى جواره لكن ياسين رفض بخبث ورد عليه بنبرة عالية -حتى يسمع الجميع- بأنه يفضل البقاء بجوار إخوانه ولا يتركهم في مشقتهم، وهكذا نال ياسين بدهاء احترام الناس على المركب وفي نفس الوقت لم يخسر الريس برفضه المبرر. لكن الناس انقلبت عليه بعدها بسبب خطبته التي حاول بها تهدئة الأجواء على المركب بسبب أزمة فانوس المصلوب وتحريض بيضون للناس عليه، فقد قال بأن الله لا يغضب من رؤيته للصليب وأنه ليس ثورًا يهيج عندما يرى القماشة الحمراء. فأثار قولهم غضبه وتذكرو أنه من المثقفين العلمانيين الفاسدين وانقلبوا عليه. ويظل الشاغل الأساسي له على القارب هو جذب الانتباه ومحاربة الشيخ بيضون حتى لو اضطر للتعاون مع زبيبة وبيع مبادئه.

حسن المط أو بمعنى أصح بهية المط المتنكرة في زي رجل لكي تهرب معهم، فلم يكن مسموحًا للنساء بالهجرة غير الشرعية. هي بنت ليل تريد الهجرة وترك المذلة التي لاقتها في بلدها. يكتشف أحدهم حقيقتها من البداية ويظل ملتصقًا بها ليكسب حبها. في الجزء الأول لم تكن بالشخصية المحورية لكن في الجزء الثاني تصبح هي الغاية الرئيسية للشخصيات الأخرى بعد أن فقدوا الصراع على السلطة.

تنتهي الرواية بقرار منها لاختيار الشخص الذي ستتزوجه منهم، فعندما لمحت أن هناك فرصة أخرى للحياة اختارت بمكر شديد.

هكذا صور الخمايسي المرأة كالغاية الأقوى بعد السلطة.

زغلول البيضا الذي يهاجر بدافع الملل، فقط! بينما يهرب كل شخص من شيء يخافه يهرب هو لأجل تجربة شيء جديد. هو شخص براجماتي ولامبالٍ يسعى لاقتناص اللذة في أشد الأوقات ضيقًا، يسعى للإيقاع بالنساء بكلامه المعسول. يقترن زغلول وبهية ببعضهما لبعض الوقت بعد أن اكتشف أنها امرأة.

كلام طماطم تجسيد للإنسان البسيط المحمل بهم الأسرة والديون فيهرب من ديّانيه، شخص صعيدي معجب جدًا خطب جرباية الرنانة، يرى أنه من بلاغته يجب تصديقه فيصدقه حتى ولو خالف الكلام عقله.

باقي الناس من العوام. عندما فسد المحرك كان السبب هو غوغائية العامة، في كل الأزمات كان غياب الوعي هو السبب، ينساق العامة إلى المفاهيم الدينية أو الجعجعة الفارغة دون أدنى فهم أو اختيار، ثقافة القطيع هي المسيطرة على عوام المهاجرين.

بعد انجلاء «أزمة الصليب» التي وضعت يدنا على الخيوط العامة للشخصيات يمر المركب «جو العظيم» بالعديد من الأزمات، وفي كل أزمة يكمل الخمايسي رسم شخصياته من خلال ردود الفعل المصاحبة للأزمة. في الأزمة اللاحقة لها «أزمة السنارة» نجده يهتم بالبعض أكثر من المرة الأزمة السابقة مثل اهتمامه برد فعل كلام طماطم وعرض المزيد من ماضيه ووضع الماضي بمساوئه واللحظة الحاضرة بمأساويتها التي قد تصل إلى حد فقدان الحياة. ومن خلال تنقلاته السردية بين الشخصيات نجده في هذه الأزمة يتولى زمام السرد ليتأمل حالة الجموع وكيفية تشبثهم بالحياة. كما يتعمق في بناء الشيخ بيضون وياسين جرباية ورسم نوازعهم الداخلية في كل موقف، والحق أن الكاتب تميز في تطوير هذين الشخصين بالذات مع مرور الأزمات المختلفة.

هناك نقطة مهمة في هذه الرواية وهي كيف تمارس السلطات الحالية بالذات استبدادها دون خوف ولا معارضة، تمثل هذه النقطة السلطات الاستبدادية بشكل عام لكنها تمثيل دقيق جدًا لحالتنا الحالية، يفعلون هذا من خلال تجذيرهم لقوتين: الخوف والوطنية.

هنا عندما يقوم العقلاني بتملية خطته لزبيبة بضرورة نشر الخوف بين الناس حتى لا يستطيعون الاعتراض، فينزل في الناس خلال الأزمات لتنبيههم بعدم التجاوز لانتشار أمن الدولة، ثم يقبض على الشخص الانفعالي الثوري عندما يريد أن يجعل الناس يثوروا.

لكن الخوف ليست قوية كافية، قد يتحول هذا الخوف يومًا لانفجار، فمارست السلطة نوعًا ثانيًا يخفف من وطأة الأول وهي تجذير إحساسهم بالوطنية وأن القارب أبو الدنيا وهيبقى قد الدنيا، يجعلهم يشعرون أن الأمر بأيديهم وأنها يخافون على القارب من المندسين والخونة بينما هم مجبرون على الخوف في الحقيقة.

أشرت إلى انقسام الرواية لجزئين في حديثي السابق، في نظرى أنها تنقسم لقسمين: الأول صراع السلطة، والثاني صراع للوصول للمرأة، والجامع بين القسمين هو صراع الحياة والبقاء. كان الطابع العبثي هو الغالب على مرحلة ما بعد فقدان جو العظيم إلى أن انتقل الصراع لمرحلة متطورة وقد كان صراعًا بدائيًا بعض الشيء.
تنتهي الرواية بشكل مبهم بعض الشيء، نهاية مفتوحة يترك الكاتب للقارئ مهمة ملئها. ومن الممكن أنها ليست نهاية مفتوحة بل هي نهاية تظهر مكر المرأة في اختيارها للمال عند أول إشارة للنجاة.

يمتلك الخمايسي قدرة فذّة على التجديد في السرد، في هذه الرواية نرى لعبّة سردية في التنقلات بين الشخصيات والحكايات، الإطار السردي للرواية متلون ولا يثبت على طريقة واحدة في الحكي، إذا تناول السرد أحد الشخصيات نرى السارد يتحدث بنفسه وهكذا يتنقل الكاتب بين الشخصيات في الفقرة الواحدة ولا نشعر بالتداخل أو التوهان، وفي أحيان أخرى نجد راوٍ يرتفع فوق المشهد لتأمله وهو الراوي الطبيعي للأحداث.
أما عن اللغة التي تتحدث بها الشخصيات شعرت بطفرة في المعالجة في شخصية واحدة وهي الشيخ بيضون ومعجمه الجامد، لم تكن لغة الكاتب على قدر التلون الذي كان عليه السرد.

تُعد هذه الرواية قراءة عميقة ومهمة للمجتمع وتحليل سيكولوجية الجماهير والطاغية والعلاقة بين السلطة والمجتمع بكل طوائفه وإرجاع هذ الصراعات التي تدور على هامش السلطة لأصولها التي تسعى للانتصار الشخصي للذات والأيديولوجية مهما كان الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد