أتابع كغيري، العديد من المدونين وآراء الكثير من المهتمين بالشأن العام حول الأزمة التي تشهدها الدولة مؤخرًا، وأعتقد أن الطابع الإعلامي والشعبوي هو الغالب على الخطابات السياسية في ظل حالة الشحن والإحتقان التي تشهدها الشوارع، وفي ظل تراجع النخبة الفكرية الجادة والجماعات العلمية الحقيقية التي من المفروض أنها تتزعم المشهد ولو عن طريق «فيسبوك»، هذا ما جعل الكثير يتخوف من مستقبل الحراك. فكيف يمكن أن نحل مسألة تمثيل الحراك؟ وما تأثيرها على الشارع والسلطة؟

مما لا شك فيه أن الرأي العام العالمي والمحلي أشاد بسلمية الحراك المنقطعة النظير، وذلك راجع إلى عوامل أو أخرى حددت خصوصياته، ومن أهم الخصوصيات عفوية الحراك، بالرغم من تدخل أطراف حاولت التأثير عليه أو الدفع به أو محاولة السطو عليه فيما بعد، ثم إن العفوية صاحبتها المطالب السياسية المباشرة، وهي إسقاط العهدة الخامسة، وهذا ما أحدث قطيعة مع حراك الدول العربية في العقد الجاري، حيث إنه ولأول مرة تحدث أن تخرج الجماهير مطالبة بمطالب سياسية خالصة ومباشرة، وفي ظل قانون يمنع التجمهر بالعاصمة وهنا يمكن وصف الحراك بالحراك السياسي البحت – ونحن هنا لا ننكر أن المطالب السياسية لم تصاحبها مطالب اجتماعية – في حين الحراك العربي السابق كان حراكًا اجتماعيًا بدعوى الظروف الاقتصادية والإجتماعية ليتطور إلى مطالب سياسية تنادي بإسقاط النظام السياسي ككل.

وعليه فإن مسألة تمثيل الحراك لابد منها، لكن بحذر شديد، فقد حاولت بعض التيارات الترويج لقوائم حسب المقاس والمصالح والتوجهات وتضاربت الآراء بعدها حول القائمة التي تحسم إشكالية التمثيل، وقد أبدى هذا الصراع الذي ظهر عبر مواقع التواصل عن حالة من الخوف وعدم الثقة بين المعارضين أنفسهم وهم في حالة ما قبل الحصول على الغنيمة، فما بالك لو أخذ أحدهم زمام الأمور وانفرد بها، ومن المحزن أيضًا أن تلك القوائم المزعومة ضمت أشخاصًا إعلاميين وأبطال «بلاتوهات» وأكاديميين أكثر منهم سياسيين أو مناضلين أو بارعين في التفاوض، فالأمر يتعلق هنا بحسن التفاوض والدهاء والماضي النضالي ومعرفة الشارع، ثم إنه هذا التضارب لا يخدم سوى السلطة في ربح المزيد من الوقت لترتيب أمورها والبحث عن مخارج آمنة لها.

فهي انتقلت من مرحلة سابقة من تمييع وقتل لدور الأحزاب المعارضة إلى مرحلة لتعفين وتخدير الشارع، فلو كانت الأحزاب المعارضة في وضعها الحقيقي والسليم لكان لها الدور الكبير حاليا في ترجمة مطالب الجماهير إلى السلطة والخروج بحل لهذه الأزمة، لكن السلطة وكما نرى أنها قطعت شوطًا مهمًا في تحييد الأحزاب وعزلها.

وقد لاحظنا ذلك في هتافات بعض المتظاهرين التي تطرد رؤساء الأحزاب السياسية بداعي أنها إما عميلة للسلطة أو أنها تطل مناسباتيًا من أجل مصالحها فقط، وهنا نفس الأمر ينطبق على هيئات المجتمع المدني المشلولة وغير ااقادرة في المضي قدمًا لا على تأطير الحراك ولا تأمينه ولا تمثيله.

وعليه كما يقول عزمي بشارة فإن هذه العفوية وهذه السلمية التي نزل بها الشعب إلى الشارع قد تصير غولًا أو وحشًا بتجاهله مع مرور الوقت، ومن جهة أخرى الأجنحة المتصارعة داخل النظام قد تربح الوقت في حسم تلك الصراعات لصالح إما لجهة معينة أو في إطار توافق بين تلك الأجنحة، وهنا يمكن ذكر أن القوى التي داخل النظام تحاول حسم الصراعات بشكل سريع، بينما القوى خارج النظام، وهي وليدة نفس النظام تم إبعادها في مرحلة ما تحاول السيطرة والاستحواذ على الفراغ الذي تراه مناسبًا لتمرير أجنداتها، وهذان الصراعان سواء الأفقي أو العمودي كلاهما ضد الشعب وضد الجماهير والتي طالبت بإسقاط النظام فيما بعد ولو أنه مطلب غير عقلاني (نتحدث عنه في مقال آخر، لماذا غير عقلاني؟).

هذا الحراك بإمكانه إفراز أشخاص ذوي كفاءة وذوي قدرة على التفاوض، وفي حالة ما إذا أصرت السلطة على هذه الندوة الوطنية المزعومة فعلى الأحزاب المعارضة أن تحاول استغلالها بشيء من الحذر، على الرغم من الغموض والضبابية التي تحيط بها، فالهدف الأسمى قد تم الوصول إليه بشكل سلمي وهادئ هو إسقاط الخامسة وكبح طموح الأشخاص الذين يحكمون باسم الرئيس، والهدف الثانوي وهو لا يقل أهمية أنه تم طرح مسألة التفاوض والتمثيل والإنصات للجماهير، وبلغة أخرى طرح لفظ «الشعب» فوق طاولة صانع القرار، سواء كان قائدًا للأركان أو محررًا للرسائل لدى الرئاسة.

ومنه يمكن القول إن ما بعد الجمعة الرابعة، وبعد التأكيد على قوة الشارع ورد فعل السلطة الحاكمة من إقالات ومبادرات حتى ولو كانت شكلية، فإنه وجب على الشارع أن يفرز وبعقلانية الرموز والقيادات التي وجب أن تمثله ـ وهو زاخر بها – من خلال هيئات المجتمع المدني والجمعيات والنوادي المختلفة التي يمكن أن تجلس إلى طاولة الحوار والاتفاق على ممثلين محليين يفرزهم الشارع من تلقاء نفسه، ومن الأفضل أن تضم قائمة الممثلين أشخاصًا محزبين وغير محزبين، ومن ثم التدرج في إيصال هذه المطالب من على المستوى المحلي إلى المستوى الوطني بدلًا عن المزايدات التي تركز على العاصمة، فالمركزية لا تأتي بخير وفي كل شيء.

فحذار ثم حذار من الأصوات التي تنادي بعدم تمثيل الحراك والدفع به نحو المجهول، فالتنظيم، فالتأطير، ثم التمثيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد