الإنسان كائن اجتماعي يعيش في مجموعات؛ لهذا كان دائمًا في حاجة لأن يكون هناك حاكم ينظم أمور المجموعة، ويقودها، ويوفر لها الحماية، وكان الحاكم يحتاج لقوة تساعده على تنفيذ القواعد، التي اتفقت عليها المجموعة، فتنازل كل فرد في المجموعة عن جزء من حريته لتتكون منها قوة الحاكم؛ فنشأت السلطة، وتمتعت بالقوة اللازمة لفرض القواعد والقوانين التي ارتضتها المجموعة البشرية، ولكن ما الذي يمنع الحاكم من إساءة استخدام القوة؟ فبدلًا من أن يستخدمها في فرض القواعد والقوانين المتفق عليها، يستخدمها في فرض سطوته وتنمية ثروته على حساب المجموعة التي اختارته ومنحته القوة. الإجابة بسيطة، وهي أن الأفراد الذين منحوا الحاكم القوة من خلال تنازلهم عن جزء من حريتهم، يستطيعون أن يستردوا منه تلك القوة، إذا اتحدوا معًا وقرروا أن يسلبوا منه السلطة التي منحوها له من قبل. وبهذا أصبحت سلطة الحاكم أقوى من الفرد، ولكن القبيلة إذا اتحدت صارت أقوى من سلطة الحاكم.

ولكن إذا كان هذا ممكنًا في المجموعات البدائية قليلة العدد، إذ يسهل التواصل بين أفراد القبيلة فيتحدون في مواجهة الحاكم إذا أساء استغلال السلطة الممنوحة له، فإنه بعد زيادة أعداد البشر، وقيام دول أصبح عدد سكانها بالملايين أصبح اجتماع الأفراد في الدولة على أمر واحد شبه مستحيل، وبذلك أصبحت قدرة الحاكم على الاستبداد وإساءة استخدام القوة أكبر. فالسلطة أقوى من الفرد، ولا يوجد ما هو أقوى من السلطة؛ لأن أفراد المجتمع من المستحيل أن يتحدوا معًا؛ لأنهم لا يملكون القدرة على ذلك الاتحاد، فظهرت الدولة المستبدة، حيث السلطة تطغى على الشعب وتستعبده، وتفعل ما تشاء بلا حساب ولا رقابة.

ولكن التطور الاقتصادي للمجتمعات، والميل الفطري للإنسان للعيش في جماعات، دفعته للاتحاد مع أقرانه الذين يتشابهون معه، يعملون العمل نفسه، يحترفون الحرفة نفسها، يمتلكون الموهبة نفسها، لديهم أفكاره نفسها السياسية، أو معتقداته الدينية، أو اهتماماته الثقافية أو الإنسانية، وتكونت المئات والآلاف من النقابات والاتحادات والجمعيات، التي تَوحد فيها الأفراد ليكوِّنوا مجموعة من الكيانات الجديدة، لكل كيان منها هدف يسعى كل أفراد المجموعة لتحقيقه، فأصبح كل كيان يتحرك وكأنه فرد واحد لتماسك أعضائه وتوحدهم في الهدف والرؤية، وأصحبت تلك الكيانات أشبه بأفراد القبيلة، ولكن الفرق أن كل كيان منهم يضم تحته مئات الآلاف أو ملايين الأفراد.

وأعضاء كل كيان منهم اختاروا من بينهم قيادات يثقون فيهم، وفي رجاحة أفكارهم؛ ليمثلوهم أمام السلطة وأمام باقي الكيانات، ومن مجموع تلك القيادات نشأت طبقة جديدة في المجتمع، وهم من يمكن أن نطلق عليهم القادة الشعبيين، يستطيع كل منهم أن يحشد خلفه مئات الآلاف أو الملايين إن لزم الأمر، وبالتالي أصبح هؤلاء القادة الشعبيون قادرين على أن يوحدوا المجتمع كله خلف السلطة أو ضدها، وبهذا عادت المعادلة القديمة التي كانت تضمن في الماضي سلامة القبيلة، وأصبحت اليوم تضمن سلامة الأمة المليونية، السلطة أقوى من الفرد والمجتمع أقوى من السلطة. فقد عاد المجتمع قادرًا على أن يتوحد من جديد.

ورغم أن هذه الكيانات لم تنشأ أصلًا لمواجهة السلطة، وأغلبها – إن لم يكن كلها- لا علاقة لها بالعمل السياسي، ولكن هذه الكيانات نشأت لحماية مصالح أفرادها، والوعي الثقافي للمجتمات المتقدمة أدرك أن خروج السلطة على القانون ومحاولتها للالتفاف عليه يمثل تهديدًا على كل أفراد المجتمع، سواء من تعرض للأذى المباشر لهذا الخروج على القانون، أو لم يتعرض له؛ لأن الخروج على القانون يصيب المجتمع جميعه بالضرر؛ لهذا فإن هذه الكيانات، وإن كانت لا تهتم بالعمل السياسي، ولكنها تتوحد معًا وتقف في مواجهة السلطة إذا أساءت السلطة استخدام القوة الممنوحة لها، وخرجت عن إطار القانون الذى ارتضاه المجتمع ليكون حكمًا فيما بينهم. إن أي تغول للسلطة على حقوق فرد من أفراد المجتمع هو تغول على كل أفراد المجتمع، وإذا كان المجتمع قادرًا اليوم من خلال الاتحادات والجمعيات على التوحد، فلا يوجد شيء أدعى لاتحاده من خروج السلطة على القانون، وإساءة استخدام القوة الممنوحة لها.

لم تنشأ الكيانات من أجل مواجهة السلطة صحيح، ولكن القوة أيضًا لم تمنح للسلطات من أجل إساءة استخدامها، فإذا خرجت السلطة عن الأصل فى إنشائها، وهو استخدام القوة في تطبيق القانون، فإن تلك الكيانات تخرج عن الأصل في إنشائها، وتوحد أفرادها لمواجهة السلطة من أجل استرداد القوة التي منحوها إياها من أجل تطبيق القانون، وليس الخروج عليه.

ومع تطور النظم السياسية لم يصبح هناك داعٍ لكي تتوحد تلك الكيانات وتدخل في مواجهة مباشرة مع السلطة، بل أصبحت هناك وسائل أكثر سهولة وأقل ضررًا، تردع أي سلطة تفكر في إساءة استخدام القوة الممنوحة لها، وهو ما يمكن أن نسميه إدارة الصراع داخل الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد