أثار مصطلح السلوك السياسي المؤسسي أو ما يسمى اصطلاحا بالإنجليزية Organizational Politics اهتماما أكاديميا ومهنيا لعقود في عدد من مؤسسات القطاع العام والخاص والجامعات – مع تفاجئي بوجوده في صرح العلم والتعليم والعلماء-. سنكون ساذجين إذا لم نعترف وندرك أن السلوك السياسي المؤسسي حقيقة وموجود في عدد كبير من المؤسسات بأشكال وألوان ومسميات كثيرة. سأعترف هنا أن تناول هذا الموضوع في أدبيات المشرق العربي بحثيا وأكاديميا. قد يعود هذا لأسباب منها اعتباره من التابوهات لوجود اسم «سياسة» فيها أو صعوبة شرح هذا السلوك أدبيا واكتفائنا بالمصادر الغربية أو ربما استسلامنا له والإقرار بوجوده كجزء من الحياة المؤسسية – وهذا مرجح بالوضع الدستوبي العربي الذي نعيش به -. يعتبر بعض الأكاديميين السلوك السياسي المؤسسي قوة مدمرة، ويعتبرها البعض الآخر أداة مفيدة يمكن أن تساعد على تحقيق أهداف استراتيجية، خاصة خلال مرحلة التغيير المؤسسي Organizational Change.

فما هو السلوك السياسي المؤسسيOrganizational Political Behavior؟

قدم الباحثين والمختصين مجموعة من التعريفات ويلاحظ أن معظمها تتقاطع وتتشابك مع مصطلح السلوك السياسي Political Behavior أو النفوذ Power

السلوك السياسي Political Behavior يشير إلى محاولة استخدام التأثير الاجتماعي Social Influence المتنوع بهدف تعزيز أو حماية المصلحة الذاتية Self Interest وتهديد مصالح الآخرين للحصول على أفضلية أو حالة اجتماعية Status غير مستحقة. يمارس هذا السلوك على المستوى الفردي أو الجماعي. هل تعلم أي شخص يمارس هذا السلوك داخل الشركات أو المؤسسات؟

وجد العديد من الباحثين والممارسين في مجال الموارد البشرية والإدارة والسلوك التنظيمي ارتباطًا وثيقا بين مفهوم النفوذ Power والسلوك السياسي المؤسسي ويمارس هذا السلوك بأشكال متنوعة كما اسلفنا وتشمل تكتيكات «ما وراء الكواليس» وكبت المعرفة/المعلومة Knowledge Hoarding لاستخدامها بالتأثير لاحقا من خلال مبدأ المعرفة قوة Knowledge is Power، وتعزيز النفوذ لتحقيق أهداف شخصية محددة. تشير الدراسات أن ظاهرة «النفوذ» في السياق المؤسسي تظهر بتجلي عندما تكون الموارد والموازنات المالية شحيحة سواء شحا مبرمجا أو مفاجئا. سيقرر الأفراد أو المديرون أو المجموعات الممارسة للسياسة المؤسسية ومناوراتها عدم الموافقة على تخصيص هذه الموارد بما فيه مصلحة العمل ويقررون الاحتفاظ بها لأنفسهم أو لأقسامهم أو لمصالح حلفائهم الضيقة التي تؤدي إلى بروز وانتشار وشرعنة السلوك السياسي المؤسسي في معظم الأحيان.

أين ولماذا يمارس هذا السلوك داخل المؤسسات والشركات؟

يتواجد السلوك السياسي المؤسسي في عدد كبير جدا من الشركات والمؤسسات العمومية والخصوصية كما تم توثيقه في مؤسسات أخرى كالتعليم العالي Universities، وقد لا يكون صريحًا وفجا بسبب النظرة والانطباع السيئ على أنه سلوك غير سوي ويحاول المديرون التنفيذيون والمشرفون الابتعاد عنه وعن ممارسيه والأنشطة المصاحبة له. ومع ذلك، فإن بعض المديرين يعترف أن مثل هذه الأنشطة يمكن أن تكون لصالح المؤسسة وأعضائها. على سبيل المثال قد يكون من الضروري أن يحتاج المدير إلى ممارسة قدر كبير من الضغط على فريق العمل لإنجاز شيء ما باستخدام قوة منصبه على الآخرين. من الضروري أحيانًا أيضًا أن يعمل الموظفون خلف الكواليس لبناء تحالفات معينة لإقناع الآخرين بقرارات معينة. إجمالا، من المهم أن نفهم أن السبب الجذري للأنشطة السياسية المؤسسية غالبًا ما يكون بسبب شح الموارد المالية والبشرية، وضغوط العمل، وعدم المساواة الهيكلية، وغياب العدالة المؤسسية والدوافع والمصالح الشخصية الفردية.

تأثير هذا السلوك على المؤسسة والموظفين أداءً وإنتاجًا؟

ينخرط الموظفون أو المجموعات ذات الدوافع السياسية في عمليات تفاوض وبناء التحالفات والتغذي على تضارب المصالح بهدف تحقيق مصالح شخصية من غير وجه حق. أفادت العديد من الدراسات الاستقصائية أن أكثر من 90 في المئة من المديرين يعترفون بوجود السلوك السياسي Political Behavior في مؤسساتهم، ومن المدهش أن 70 في المئة شعروا أنه من أجل تحقيق النجاح، يجب عليك الانخراط في هذا السلوك وهذا يوضح مدى انتشار هذا السلوك.

ومع ذلك، يتفق العديد من الباحثين وعلماء الاجتماع المؤسسي على أن السلوك «السياسي» عادة ما يعزز صور التعامل في الغرف الخلفية والتلاعب Manipulation والأجندات الشخصية التي لا تتوافق مع أهداف وسياسات المؤسسة المهنية والأخلاقية. ومن شأن هذه السلوكيات أن تقوض العدالة المؤسسية وتثير الغيرة بين الموظفين وهؤلاء الذين يمارسون تلك السلوكيات. وقد وجدت الأبحاث أنه عندما يشعر الموظفون بأن مؤسستهم تسمح بالسلوك السياسي المؤسسي، فإنهم سيكونون أقل إنتاجية وأقل اهتمامًا وأقل رضا عن وظائفهم ويصابون بالاكتئاب والإحباط.

كيفية الحد من ظاهرة السلوك السياسي المؤسسي:

1. إظهار موقف إداري مؤسسي وأخلاقي صريح من قمة الهرم الإداري من استخدام وممارسة السلوك والمناورات السياسية داخل المؤسسة.

2. وضع إجراءات صارمة وعقابية وبيان واضح أنه لن يتم التسامح مع هذا السلوك أو مكافأته.

3. إدراج هذا السلوك ضمن أخلاقيات العمل المؤسسي للموظف Code of Conduct.

4. نشر واعتماد ثقافة العدالة المؤسسية قولًا وتنفيذًا وعلى جميع المستويات.

5. وأد ثقافة ومصطلح «الواسطة» لتعزيز العدالة المؤسسية والقضاء علي الفساد الإداري.

6. نشر نظام أداء واضح ومهني يعتمد على الكفاءة وليس المناورات والتحالفات السياسية الضيقة.

7. تعزيز ثقافة التعاون ومشاركة المعرفة بين الموظفين.

8. تطوير وتنفيذ برامج تدريبية وتوعوية ضد ممارسة وممارسين السلوك السياسي داخل المؤسسات للمديرين والموظفين على حد سواء.

9. توفير وسائل الوصول إلى المعلومات من خلال المساواة الكاملة وغير المنتقصة.

10. تقديم ملاحظات الأداء Feedback للموظفين بشفافية وبغرض تحسين الأداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة, قوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد