بعد أن كانت الصراعات السياسية في العراق مختبئة خلف جدران الوهم الطائفي والعرقي، كشفت نقابها اليوم وباتت تمارس بصورة علنية وبكل وضوح، فبعد الشعور بفقدان السلطة، تبدأ حالة هستيرية لا إرادية من الغضب لدى الحاكم، ففقدان المنصب يؤدي إلى فقدان الغنيمة وهذا بدوره يؤدي إلى المغامرة في الخوص لخوض الصراعات السياسية.
وهذا ما نعيشه اليوم، وألا في أي بلد يحدث أن تنتهي الانتخابات التشريعية ويخرج مرشح الكتلة خالي اليدين لكنه يرفض تسليم الكرسي معتبرًا إياه بأنه «الكرسي» الذي نزلت عليه آية القرآن الكريم.

وفي أي بلد يصرح بل يهدد صاحب الكتلة الخاسرة أنه إذا لم يحصل على منصب رغم خسارته البائسة كـشكله بأنه سينزل إلى الشارع وينضم إلى المعارضة «غير القانونية» ويهدد بكل ما يملك من عدة وزمرة فاسدة حتى يحصل على ما يريد.

والمشكلة الأكبر التي نواجهها الآن هي انعكاس هذه الصراعات على بعض الرؤؤس الخالية من العقول كيف ذلك؟

 لأخبركم بنفسي، من غير الممكن أن ينهض وطن ويتحرر من بؤر الفساد التي نخرت أجزاءه مستأصلة رحم طيبته ما لم يتحرر أفراد الشعب ويتخلوا عن وجوههم التي أصبحت بمثابة «الدرهم» تنقلب على وجهين، فالذي نشهده الآن رأسًا بلا عقل يمجد الفاسد أعلاه ويعتبره «خطًا أحمر» مقابل مبلغ مالي بسيط أو على الأحرى وعودًا كاذبة سرعان ما تتحول إلى رماد بفعل إتلاف «سلة المهملات» المحتضنة تلك «الوعود».

لا غرابة من الموضوع، فالعراق الآن أشبه بساحة لكرة القدم تحوي فريقين كل واحد منهم يبحث عن الفوز ولكن
لم يدركوا بأن الحكم هو «أمريكيًا» ولهذا هو الوحيد القادر على ترجيح كفة الفريق الفائز!

بالضبط تمامًا ما يحدث اليوم، حيث إنك من أجل الفوز لا يكفي فقط أن تكون قويًا ومثابرًا، في نفس الوقت الامر يتطلب بعض الولاء، وهذا ما حدث بالفعل حيث الفريق الذي فاز واجتهد على حد قوله قد يستسلم أمام الفريق «الضعيف» بعد إظهار الأخير الولاء التام للـ«حكم الأمريكي»، باعتبار أن تشكيل الحكومة الآن باتت خارجة عن سيطرة أصحاب الشأن بعد أن بات التدخل الأمريكي واضحًا في الأمور الداخلية للعراق، ولهذا ستعمل على إسكات أي شخص حتى وإن كان ذي حق من إبداء ولو رأيه في تشكيل الحكومة المقبلة وكل ما يحدث الآن من اجتماعات وحوارات وتغطيات هو استعراض أمام الإعلام فقط لامتصاص غضب الشعب وأوهامه بأن النواياة والتحالفات ما زالت قيد المشاورة والتنفيذ.

الأمر معقد كثيرًا لدرجة أن رئيس الوزراء الذي يقود بلد قرابة 32 مليون نسمة لا يعرف متى ستتشكل هذه الحكومة، الأمر الذي قد يصنف هذه المسالة بأنها «عقدة القرن الواحد والعشرون» في العراق.

وتحت شعار يد واحدة لا تصفق بات عدو الأمس صديق اليوم بعد التحالفات التي تم الإعلان عنها موخرًا، ولكن في حقيقة الأمر هو ليس صديق اليوم بقدر ما هو «شريك اليوم» فبعد نجاح المشروع وكسب غنيمة المنصب من جديد، تتفكك الشراكة ونعود إلى الصراع الذي سيستمر أربع سنوات مرة أخرى.

لتعود بذلك حقبة الصراعات والانقسامات مرة أخرى حتى يتم نزول الوحي على بعض الذين فيهم ولو بصيص من الأمل في البرلمان ليخرجوا في «معارضة قانونية» قوية من شأنها إحداث تغيير جذري وطفرة نوعية تؤدي إلى تغيير حقبة السياسة في العراق.

أما بخلاف ذلك وإذا ما امتنع الوحي من تلويث نفسه واقترابه منهم، سنشاهد استمرار الضجيج والانقسامات وتشتت الأفكار في تشكيل الحكومة وتجاهل الشعب الذي بدوره أصبح لا يفقه شيئًا بسبب «جزعه» من الحصول على نتائج إيجابية، الأمر الذي جعله ينشطر إلى ثلاثة أصناف يندرج الصنف الأول، بالأشخاص الذين أصبحوا أبواق لمرتزقة السياسيين من أجل مصلحة خاصة لا يحصلون في نهاية المطاف حتى على «ذرة واحدة» منها.

أما الصنف الثاني وحتى لا نرمي الخراب الذي حل بنا على السياسيين فقط، فهم الأشخاص عديمو المبدأ وعديمو الرأي فهم لا يحركون ساكنًا حتى ولو قامت القيامة بالقرب منهم سالكين طريق وشعار «إحنة شعلينة».

أما الصنف الثالث فهم أصحاب العقل والمبدأ وهم الفئة القليلة المتبقية من الشعب، حيث يذمون السياسيين ويبدون امتعاضهم منهم ويخرجون في تظاهرات منددة لهم، ولكن في أي لحظة قد تتصادر حرياتهم ويذهبون بهم إلى الجانب الآخر من السدة!

نعم فالأمر هزيل بعض الشيء والحكاية مستمرة حتى يتواصل منهج إسكات الحق في العراق من قبل سياسيي الصدفة وطغاة المنصب إلى أن نذهب إلى الهاوية التي نقف الآن على حافتها ونعلن الحداد على شعب خانه شعبه ونقرأ سورة الفاتحة على وطن أصبح غير صالح للعيش!


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد