هذه روايةٌ خادعةٌ؛ فاسمها وغلافها يُوحيان أنّها قد تكون روايةً رومانسيةً عاديةً مناسبةً لإخراجك من الأجواء القاسية التي نعيشها الآن وسط الأخبار التي تتوالى عن فيروس كورنا وضحاياه، لكن بمجرد التوغل قليلًا في القراءة ستكتشف أنّ هذا العمل الأدبي غامقٌ وقاتمٌ وكابوسيٌ، وتتحرك شخصياته المحطمة المنكسرة في أجواءٍ مؤلمةٍ، ساردةً عذاباتها ومعاناتها في حياةٍ متجمدةٍ أقرب للموت.

«سوف أحكى عنكِ» للروائي المصري أحمد مهنى، والتي صدرت طبعتها الأولى عن دار «دوّن للنشر والتوزيع» في يناير (كانون الثاني) 2015، تكشف لك عن عوالم عدة شخصياتٍ من المجتمع المصري من خلال استخدام تقنية «الأصوات»؛ فلكل شخصيةٌ حكايةٌ مختلفةٌ تسردها عن طريق «الفلاش باك»، أو العودة إلى الوراء في لغةٍ قاسيةٍ أحيانًا، تمتزج بعضها بقدرٍ ضئيلٍ جدًا من الرومانسية المتعلقة بقصتي حبٍ في العمل، لكنهما لم يكتملا، وتكشف هاتان القصتان عن المصائر القاسية التي يصل إليها أبطال هذا العمل الأدبي المحكم.

في هذه الرواية الكابوسية، نرى التعذيب والاعتقال ظلمًا في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد حسنى مبارك 4 مايو (أيار) 1928 – 25 فبراير (شباط) 2020، وتجاوزات بعض رجال الشرطة التي تتسبب في إصابة مواطنٍ بالمرض النفسي، ثم صراع جمال عبد الناصر ومحاكمة ضباط سلاح الفرسان في الجيش المصري (المدرعات حاليًا)، وقت ظهور وخفوت نجم محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية عقب ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، ثم نرى الأعمال «القذرة لصحفي» متسلقٍ لا يملك موهبةً، وينجح في العمل في واحدةٍ من أكبر الصحف اليومية المستقلة.

تبدأ الرواية بـ«الدكتور» الشاب السكندري المرتبط بقصة حبٍ مع فتاةٍ اشتراكيةٍ تشارك في المظاهرات بصورةٍ دائمةٍ، تتركه بعد أن تتصوّر أنه على علاقةٍ بإحدى فتيات «الإيليت»، يُقبض على «الدكتور» ويسجّن ظلمًا لمدة عامٍ حبسًا احتياطيًا بعد العثور في سيارة والده التي كان يقودها على لافتاتٍ ضد النظام خاصة بحبيبته الثائرة دومًا «ليلى».

يخرج «الدكتور» من المعتقل شخصًا مهزومًا ومنكسرًا يعاني عذاب ضميرٍ من المتاعب التي سببها لأسرته، ثم يعرض هذا الفصل جزءًا من تاريخ الاتحادات الطلابية في الجامعات المصرية، والتدخلات الأمنية في تشكيلها، وكذلك الدور الكبير لـ«تيار الإسلام السياسي» في السيطرة عليها، عن طريق سرد تجربة «الدكتور» الذي كان يشارك في هذه الانتخابات وينجح.

أما الشخصية الثانية في الرواية فهي مجدي خليل تادرس، الشاب المسيحي الصعيدي القادم من أسيوط، إحدى المحافظات الواقعة في جنوب مصر، والذي يُريد الالتحاق بالعمل في إحدى الصحف اليومية المستقلة الأكثر توزيعًا، ويرتبط بقصةٍ حبٍ مع «مريم»، ابنة حلمي المنياوي، شريك والده في «الفرن».

يُطلّب من «مجدي» تحقيقًا صحافيًا عن الاتحادات الطلابية أشبه بالتجربة الشخصية، ولكنه لا يتحمل الوقت في عناء خوض هذه التجربة، فيضطر لسرقة أوراق أو مذكرات صديقه «الدكتور» التي كتبها عن تجربته في تلك الاتحادات التي كانت مزدهرةً بالفعل في عصر الرئيس المصري الأسبق محمد حسنى مبارك، ولكن «مجدي» ينسى تلك المذكرات في «التاكسي»، ويشعر بعدها بخيبة أملٍ شديدةٍ فيضر للجوء للكنيسة؛ لعلها تحقق أمله.

برز ذلك في حوار هذا الصحافي المتسلق مع «القس» عندما يريد «مجدي» من الأول استخدام «الواسطة» في الولوج إلى الصحيفة اليومية ذائعة السيط، فيقول له: «بصراحة كده يا أبونا أنا عارف إن الكنيسة واصلة، وليها إيد وعلاقات ونفوذ، كلمة منك لحد من المسئولين عن الأمور في الكنيسة دي وتشغلوني في الجرنال، وهبقى راجلكم هناك، ومش هنسى أبدًا وقفة الكنيسة جنبي»، لكنه القس يصدمه عندما يقول له: «يا بني إحنا هنا في خدمة ربنا، لا عندنا سلطة ولا نفوذ ولا واسطة، لو حابب تصلى أو حابب نغفر لك هتلاقينا دايما موجودين».

لا يستسلم «مجدي» وينجح في العمل بالصحيفة، بعد أن أصبح مخبرًا للجهات الأمنية، وكاتبًا للتقارير عن زملائه الذين يجلس معهم على «المقهى»؛ الدكتور، وشاهين، ورزق، وسيد التاكسجي، وغيرهم، ثم ينجح أكثر عندما ينشر سلسلةً الموضوعات عن الاتحادات الطلابية الخاصة بـ«الدكتور»، والتي حصل عليها مرةً ثانيةً من «شاهين» بعد أن أعطاها له «سيد التاكسجى».

في هذا الجزء تبرز أيضًا جزئية عقدة أمه التي اختفت وسافرت وكانت ترسل له مبالغ مالية، والتي تعود ثانيةً لتفسد له زفافه على «مريم»، ثم يعرف أنّ حلمي المنياوي، هو الذي سفرها ليستولى على الفرن، ثم أرجعها أيضًا لتفسد له قصة حبه مع «مريم»، ينهار «مجدي» في نهاية الرواية، ويرفض كتابة التقارير عن زملائه، ليتم القبض عليه من الجهاز الأمني الذي كان يتعامل معه.

الشخصية الثالثة هي شاهين كمال باشا شاهين، من أصل تركي، عمل ضابطًا في سلاح الفرسان فى الجيش المصري، وهو الآن على مشارف الثمانينات، محطمًا، كهلٌ يعيش بين أكياس من الأدوية، ينحدّرُ من عائلةٍ كانت تحترف «صيد الصقور» في تركيا، وجاءت إلى مصر، واستقرت، وأصبحت من العائلات الاستقراطيةِ.

أدخله والده المدرسة الحربية (الكلية الحربية حاليًا) لأنه كما يقول في الرواية: «الجيش هو بطل المرحلة القادمة»، لكن ممتلكات والده الواسعة من الأطيان تعرضت للتأميم بعد ثورة يوليو 1952.

كان شاهين من سلاح الفرسان الذي انحاز لـ«محمد نجيب» في صراعه الداخلي مع جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة، وانتهى هذا الصراع بالقبض على «نجيب» والنفيّ لأعضاء سلاح الفرسان، وهرب «شاهين» إلى الشام بمساعدة أحد أصدقائه، ولكن حُكم عليه بالإعدام، ولم يعد إلى مصر ثانيةً إلا بعد سقوط الحكم عقب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973.

في الرواية شخصيةٌ لم يُخصص لها الكاتب فصولًا مثل: «الدكتور»، «شاهين»، «مجدي»؛ وإنما تناثرت حكايتها في فصول الشخصيات الرئيسة في هذا العمل الأدبي وهي شخصية «رزق»، عامل المقهى الذي يقدم خدماتٍ للشخصيات الرئيسة في الرواية أثناء جلوسهم على المقهى.

يعيش «رزق» حالةً من الاكتئاب إثر تعرضه لواقعةٍ صادمةٍ تكشف عن التجاوزات البشعة التي كان يرتكبها قلةٌ من رجال الشرطة المصرية، فقد كان عائدًا من عند «حماته» هو وزوجته، فتعرض للإيقاف في كمينٍ يوجد بهِ ضابط على خلافٍ مع صاحب المقهى الذي يعمل به «رزق»، يتركه واقفًا متجمدًا في الكمين، ثم تأتي رتبة أعلى من الضابط وتأمره بأن يفتش هذا العامل البسيط، ثم يتركه يرحل «علشان الحريم اللي معه».

فتش الضابط عامل المقهى الفقير، وتركه يرحل، ثم لمح حقيبةً خاصة بزوجة «رزق»، فاستوقفه من جديدٍ، ليفتش هذه الحقيبة، يقول رزق في الرواية: «الظابط فتشنى وفتش الشنطة وملقاش أي حاجة، قال لى: امشى، وبعدين لمح شنطة في إيد مراتى، قال لى: استنى، ورينى الشنطة دى، قلت له: يا باشا ميصحش دى فيها هدوم المدام وحاجات خصوصي.. قال لى: مدام؟ مدام إيه يالا أنت فاكر نفسك محامى، وشد الشنطة من إيدها وفتشها، طلع.. طلع لا مؤاخذة السنتيالات والكلوتات وكل هدومها، وقعد يتفرج عليهم، وفضل يفرجهم للضباط، ويقول لهم، المدام شكلها مهتمة بنفسها أوى علشان خاطر الأستاذ».

لم تتوقف الإهانة عند ذلك؛ بل إنّ «رزق» تعرض للضرب في الكمين، عندما حاول الاعتراض على تفتيش زوجته ذاتيًا من أفراد الشرطة.

حكاية «رزق» لم نعرف لها نهاية محددة، بحسب ما ورد على لسان أبطال الرواية فإنه اختفى بعد انتقامه من الضابط الذي أهانه، ويُقال أيضًا إن الاثنين تشاجرا وغرقا معًا.

الشخصيات النسائية لم يكن لهن حضورٌ قوىٌ في الرواية؛ لدينا «ليلى» الفتاة الاشتراكية التي كان يحبها «الدكتور»، ثم «مريم»، حبيبة «مجدي» الصحافي المسيحي، وكذلك سكرتيرة رئيس التحرير التي تسرب مكالماته مع الجهات الأمنية لـ«مجدي».

الحقيقة أنّ الرواية جيدةٌ؛ تكشف عن أنّ الكاتب متمكنٌ جيدًا في ما يتعلق بـ«اللغة»، والشخصيات المرسومة بدقةٍ، واشتباكه السياسي في ما يتعلق بالأحداث التاريخية داخل الرواية والتي استند في كتابتها على مجموعةٍ من الكتب خصص لها فهرسًا كاملًا في نهاية الرواية، كما جرى تحويل هذه الرواية إلى عملٍ مسرحي، وتصل للتحويل أيضًا فيلمًا سينمائيًا رصينًا.

نشر الروائي الشاب أحمد مهنى مجموعته القصصية الأولى «اغتراب» عام 2009، وصدر منها أربع طبعات، كما نشر كتاب «مزاج القاهرة» عام 2012 ضمن أدب الاعترافات، وصدر منه تسع طبعات، وشارك فى معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الأخيرة برواية «ساعتين وداع»، فضلًا عن كتابه «مذكرات الثانية عشرة ليلًا» الصادر عام 2019، وهو حاصل على ماجستير إدارة الأعمال الدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صراع, ناصر, نجيب
عرض التعليقات
تحميل المزيد