قيل في وصف الجنة أنها تحتوي على كل ما لا يخطر على بال البشر، وفيها ما تشتهي الأنفس، وقد وضع الإمام ابن قيم الجوزية كتابه المبني على الآيات والأحاديث الصحيحة من بخاري ومسلم ومُسند ابن حنبل إلى آخره من الكُتب السُنية، وأوفد في ذاك الكتاب أيضًا بعض الأحاديث القدسية التي قد نراها في فصول كاملة من كتاب الأحاديث القدسية للإمام يحيى بن شرف النووي المُكنى بالإمام النووي، وجعل هذا الكتاب بمثابة رحلة في الجنة واصفًا أكلها وبناءها ودرجاتها وأحوال أهلها ومتاعهم فيها، وضعه ابن القيم وأسماه (حادي الأرواح لبلاد الأفراح).

وكذاك في أعمال الأدب نجد ملاحم تتحدث عن الجنة والنار، قد ذكر أبو العلاء في رسالة الغفران رحلة حول رهط من الشعراء والشخصيات الذين وضع بعضهم في النار، وبعضهم في الجنة، وآخرون في الأعراف، ما بينهما، وكذاك فعل دانتي ألجيري في الملهاة الإلهية أو (الكوميديا الإلهية) في رحلة مثيلة تتقسم إلى جحيم ومطهر وفردوس، ووضع شخصيات تاريخية عوضًا عن الشعراء الذين كانوا شخصيات أبي العلاء.

وفي يوميات آدم وحواء لمارك توين كمثال، يحكي قصة هبوط آدم وحواء من الجنة إلى الأرض، ومن حياة الخلود والمتع إلى الحياة الدنيا، ويصف الاختلاف بينهما في حيرة حواء قبل أن تلتقم من التفاحة القطمة المؤدية بها إلى النار، تتساءل حواء عن معاني كلمات مثل البكاء، الحزن، الموت، الفراق، الحرب، الخراب، المرض، الوباء، الكوارث، الغرق… إلى آخرها من مصائب الحياة الدنيا وطبيعة الحياة بدون الخلود والنعيم، ولكى يستخدم توين المشهدية للتعبير عن هبوطهم إلى الأرض، حدثت الوحشية تباعًا لقطمة حواء من التفاحة، فحينما قطمت علي التفاحة أردفت الحياة الدنيا في الرنو، ورنت الأسود تأكل الغزلان، والنمور تهاجم بعضها بعضًا.

سُئل ابن الخطاب في عهد خلافة أبي بكر من أحد التابعين عن الجنة، فقال له: فيها رسول الله، وهذا ما اشتهى ابن الخطاب رضي الله عنه، وسُئل أبو نواس حينما كان يبدو عليه الأسى فقيل له: ماذا تشتي يا أبا النواس، فرد: أشتهي شيئًا ليس بالجنة، فتعجب السائل فقال له: ماذا تشتهي بربك؟! فرد أبو النواس: أشتهي غلامًا حلالًا، بعيدًا عن مسألة أبي نواس التي تغضب القارئ وتغضب الله وتغضب رئاسة التحرير أحيانًا، لكنه ما اشتهاه أبو النواس، وبالتدقيق الفعلي في قوله هو أمر صحيح، هو أمر ليس موجود فعليًا بالجنة، باستكمال أمر الجنة في التاريخ، قيل إن الطموحات اتصلت حتى في القصص المتصل الدارج بألف ليلة وليلة في نسخة دار الكتب – مكونة من أربعة عشر مجلد تقريبًا – عن أكثر من وصف لأماني الشخصيات عن الجنة، بعضها أماني جنسية بحتة.

الجنة حيثما يقول الدين والأدب، عالم بلا أسى، عالم فيه المُتعة والسلام، والسلام حيثما علمتنا الحروب هو أن نعيش أصحاء معافين من خطر الموت وضياع الحيلة والضعف، والمُتعة حيثما تعلمنا من أحزاننا أن نستطيع فعل ما نشتهي، وبجمع ما اتفق ووافق مع سبق، ربما نقول إن الجنة باختصار شديد كل ما أتى، وما لم يأت في بال البشر يمنحه السلام والمتعة.

منذ أيام ليست بعيدة صرحت فتاة عبر مواقع التواصل الاجتماعي (الجنة ما فيهاش حجاب، يعني حنلبس إن شاء الله أجمل لبس، وحنلبس a la mode، وحنلبس brands تجنن، مش high copy، وحنعمل أحلى coiffes، وحنخرج ونتفسح ونضحك ونسافر وحنروح shopping بس ببلاش، حنروح mall الجنه، وحتيجي الملايكة تعزمنا على مقابلة رب العزة، وأول حاجة حيقولها لنا سبحانه وتعالى إنه هيسألنا: يا أهل الجنة .. مبسوطين وراضيين؟ وتتفاجئي إن الملايكة جاية تعزمك على الغدا في قصر سيدنا النبي، كل حاجة حتبقى جميلة بس نروح الجنة).

قالت الفتاة: إن الجنة بلا حجاب، لماذا لم تتذكر مثلًا أن الجنة بلا صلاة ولا صوم؟ هل يثقل على قلبها فرض الحجاب أكثر من صيام شهر؟ الفتاة قالت إن الجنة بها ملابس على الموضة، لماذا لم تفكر في ارتداء ذات الرداء الذي أدخلها الجنة؟ تحدثت كثيرًا عن أشياء تبدو جيدًا إنها لا تسيء لها، بل تسيء لهذا المجتمع الذي نهضت منه تلك الأماني.

هي ترى أنها يجب ان تكون محجبة – رغبة لا دخل لي بها – ولكنها ترى ما لا يخطر علي بال بشر في صورة عالم بلا حجاب، ترى أن العالم الذي ترغب في أن تعيش به في سلام، وتحظى فيه بالمتعة، حينما يسطع ضوء الشمس على شعرها، بل حينما ترتدي ملابس غير التي ترتديها ها هنا، هي ترى أن هذا الأمر الذي تفعله ليس إيمانه به، بل استغلالًا له – وأنا لا أنتقد رؤية مؤمن بأفعاله – ولكني أريد بحث أمر آخر متخذًا هذه النقطة كمثال له.

هنا يجب على القارئ سؤالي ببساطة، لماذا بدأت بكتاب (حادي الأرواح لبلاد الأفراح) وغيره في وصف الجنة، ثم التساؤل ببساطة عن رؤية تلك الفتاة للحجاب، هل أشكك في الحجاب أم في انضباط الفتاة أم ماذا؟

عزيزي القارئ المتوقع دائمًا – الذي في الأغلب هو غاضب من كلامي، وينعتني بأسوأ ما ذُكر من الألفاظ – هل سألت نفسك ولو مرة: لماذا ورد في القرآن وصف قوم يقومون للصلاة وهم كُسالى، ولماذا يندرج الإسلام في ثلاث، أولاها أن يسلم إلى ربه، ويشهد بأن محمدًا رسول الله، وأن الله لا شريك له، وثانية أن يؤمن بغير محمد من الرسل والأنبياء وبغير القرآن من الكتب تصديقًا لما بين يديه من آيات القرآن الكريم، ويتم الإنسان أعلى مراتب الإسلام حينما يعبد الله كأنه يرى الله، والرؤية هنا معنوية بحتة، أي أنه يفعل الفعل لأنه يرى بأنه حينما يفعله يُرضي الله الذي اعتقد بأنه واحد أحد إلى آخره من أسمائه الحُسنى.

هولاء القوم الذين يتكاسلون في الصلاة حقيقةً هم قوم لا يودون الصلاة شكرًا كما فعل من قرأنا سيرهم في رياض الصالحين حينما أقاموا الليل، ولا هم يرتاحون بها كما كان ينادي النبي (أرحنا بها يا بلال)، بل هم صراحةً يصلون قضاء واجبًا عليهم فحسب.

الحجاب وغيره من مظاهر الدين لدى أغلبية فتيات هذا المجتمع لم يعد ذا معنى، بل ذا مظهر ووجهة اجتماعية، والدليل أنه إذا كان ذا معنى لديهن، لما كانت دعوة التفاؤل التي قدمتها تلك الفتاة المسكينة لغيرها من الفتيات أن تلك الجنة المُشتهة لن يكون فيها تلك العادة التي يحملنها على أنفسهن مثلما يحمل بلال فوق صدره الصخرة!

هل شرب الخمر لدى المجتمع الجاهلي كان أمرًا هينًا؟ ألم يكن بلال يشربها وعمر يغرق في السمر، بينما تدور بها الخمر؟ أليس من الشعر الجاهلي: ألا هُبى بصحنك فأصبحينا ولا تُبقي خمور الأندرينا؟ الإجابة التي لا جدال فيها: نعم، وما تفيده نعم هو مقدار إيمان هولاء جميعًا من بلال وابن الخطاب، حينما ترك المجتمع الجاهلي الخمر ، وصفت لهم خمر الجنة، فتحملوا ترك خمر الدنيا، وحينما تحملوا بشرهم الله بما صبروا عليه، أن من بين لذات الجنة خمرٌ طيب.

قناعة بلال وابن الخطاب كمثالين لاثنين من المُبشرين بالجنة ما أبحث عنه، نحتاج جميعًا للنظر فيما نعتقد كل لحظة لكي نؤدي رسالة ما نحبها وننتمي إليها، المجتمع أجبر أمثال تلك الفتاة أن يعتقدن أن ما يودنه بالجنة حياة بلا حجاب، وربما أن بحثنا في بعض المُحجبات أن أبعدنا عنهم التهديد هل يودن هذا الحجاب أم لا ، نجدهن خائفات من الإجابة.

الإجبار الاجتماعي لتلك العادة، قابله في بعض المجتمعات أيضًا إجبار على تركه، هناك إجبار عام في الحجاب، هناك من يُجبر فتيات علي عدم ارتدائه ايضًا، وربما أجد مستقبلًا منشورًا يحمل هذا النص: (في الجنة في حجاب، هنلبس عبايات سوداء، وهنعمل شوبينج من السعودية).

السؤال الذي إجابته معروفة، هل نهاية عادة الإجبار تلك لها نتائج جيدة فيما بعد؟ لا، يتساقط كل يوم عدد لا بأس به من صفوف الربانيين، والرباني لفظة تعني المعتقد في وجود إله، ولو بحثنا جيدًا في الأسباب التي جلبت تلك العادة الحديثة في العالم الحديث الحالي، سنجد بكل بساطة كيف قدم المجتمع الدين لهم.

أذكركم أن ابن الخطاب حينما سُئل عن الجنة قال: فيها رسول الله، وأن فتاة مسكينة طيبة حينما قدمت الجنة، قالت: (مافيهاش حجاب)، كيف قدم المُسلمون الدين لأبنائهم؟ إلى الفتاة المسكينة، أصدق قولك وأعلم أن الجنة فيها كل هذا وزيادة، أسأل الله أن تدخليها، ويحزنني أن تلك هي أمنياتك، اغفري لي اتخاذ كلماتك في تلك المعركة العقائدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد