إن كل كتاب يقرأه الإنسان، هو بمثابة ترقي درجة في سلم المعرفة والإدراك، أو هذا ما ينبغي أن يكون. وبهذا المعنى؛ فإن فعل القراءة التراكمي، لا بد أن يكون بمثابة ارتقاء بالإنسان وبوعيه وسلوكه وفهمه ومحاكمته لذاته ولمحيطه ولما هو أبعد من ذلك، حيث يُطل الإنسان القارئ تدريجيا على الأشياء من علٍ. وذلك بطبيعة الحال لا يعني التعالي على الآخر، وإنما بمعنى العلو الذي يمنح إطلالة أكثر شمولية ووضوحا على الأشياء والمفاهيم. وكذلك فإنه من المُفترض أن يتمتع الإنسان القارئ بنوع من الحصانة العقلية، التي تقيه من الانزلاق في متاهات الخرافة أو في مستنقعات التطرف والتعصب والظلامية.

كما يُفترَض كذلك، أن يكون من الصعب على الإنسان القارئ أن يقع ضحية للعبث المفاهيمي، لوجود بوصلة في داخله قد مرنت على تلّمُس إحداثيات «المنطق» وإجادة التعامل معه. مما يجعله قادرا أيضا، على قراءة ما بين سطور الأفكار والأطروحات التي يتم الترويج لها عادة في المجتمع، وقادر كذلك على النفاذ إلى ماوراء المشهد، الذي قد ينخدع به غيره، من دون أن تنقصه الديناميكية لتطوير ذاته، عبر اكتساب مفاهيم جديدة، وذلك بعد رصدها ومحاكمتها بأدوات فهمه التي أوجدها عبر جهد تراكمي. ولكن هل هذا هو فعلا واقع الحال دائما؟ وهل كل إنسان راكم كمّا كبيرًا من القراءة، تنطبق عليه هذه الصفات؟ الجواب هو قطعا لا. ذلك أنه من المفترض أن تكون «الثقافة مُمَارَسة» ولكنها في الحقيقة ليست دائما كذلك، فالعامل الموضوعي لا يمكنه إعادة صهر وتشكيل الذات، حتى ولو كان لديه قدرة فائقة على تشذيبها في بعض الأحيان.          

«الثقافة مُمَارَسة» لستُ أذكر أين قرأتُ أو سمعتُ بهذه العبارة، ولكن ما أذكرهُ جيدا بأنها كانت مرجعي، في الكثير من المحاججات، قبل أن أُكمل عقدي الثاني. ومنذ ذلك الحين وأنا أسعى لأن أدرك، بأن على القارئ أن يستبطن ويتشرب ما يقرأ، لا أن ينزلق فوق السطور عبر استعراض بهلواني، يستعرض فيه ما حفظه عن ظهر قلب. وبما أن ذاكرتي الحرفية لم تكن أبدا قوية، فإنني أميل إلى الانحياز قليلا إلى ذاتي، لتبرير نقطة ضعفي، زاعما بأن القدرة على الحفظ الحرفي للمادة المقروءة، تتناسب عكسا مع القدرة على استيعابها، والعكس صحيح أيضا. وأظن بأن القدرة الهائلة على الحفظ الحرفي لدى بعض مرضى التوحد، يعزز تلك الفرضية بشكل أو بآخر، ذلك أن بعض مرضى التوحد، لديهم القدرة على الحفظ الحرفي لمجلدات ضخمة، مع الاستطاعة على سردها عن ظهر قلب وبشكل حرفي تماما، ولكن دون القدرة على فهم أي كلمة منها.

ولكن كيف للإنسان أن يُمارِس ما يقرأ؟ وهل هذا يعني أن يعتنق الإنسان أو يُمارس أي دين قد شده الفضول للاطلاع عليه! أو أن يتبنى أي فلسفة لمجرد قراءتها، أو أي أيديولوجية، لمجرد أنه تعمق في أدبياتها! أو أن يتقمص شخصيات الروايات التي يقرأها! بلا شك ممارسة الثقافة لا يعني التخبط أو جمع الأقنعة لتبديلها وقت الحاجة، وإنما يعني جني خلاصة ما يقرأه المرء، كما النحلة تجني الرحيق. أما إذا اكتفت النحلة بجمع تشكيلة من الزهور، متباهية بأنها حطّت عليها، فإنها في هذه الحالة، لم تجنِ ولم تمنح شيئا، لأنها لم تتشرب الرحيق ولم تبدع منه واقعا جديدا، أو عسلا يُقيتها لاحقا. وبالتالي لم تقم بأي فعل، من منظور ممارستها لوجودها كنحلة.

لتوضيح هذه النظرية، أود أن أُدغِمَ هنا تجربة شخصية كنت قد مررتُ بها منذ سنين طويلة، هي من صلب سياق ما نتناوله؛ إذ كنتُ حينها أبحثُ عن فتاة للزواج، فأشار لي أحدهم عن فتاة فيها مواصفات يحلم بها أي شاب، ولكن أكثر ما شدّني إلى تلك الفتاة، حتى قبل أن ألتقيها، بأنها تحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة. وأنا الذي يسري حب الفلسفة في عروقي، ولكني بنفس الوقت لستُ دارسا للفلسفة بالمعنى الأكاديمي. وبذلك فإن زوجتي وأم أولادي ستكون مُنجدي ومرجعي الفلسفي الذي لا ينضب. فعوّلتُ على ذلك اللقاء آمالا كبيرة، إلى أن تم ذلك في أحد المقاهي العامة، كلقاء تعارف. الفتاة قدمت نفسها منذ البداية على أنها مُتدينة، وهذا لعمري لا يُعيب أي فتاة، وتحديدا لو أنه كان تدينا روحانيا (spiritual) وذلك أقل ما يمكن توقعه من دكتورة فلسفة. ثم أني بهذا المعنى أعتبر نفسي من المتدينين. ولكني لم أعرف كيف أداري خيبتي، عندما أسهبت الفتاة في الحديث عن دينها ومذهبها، على أنهما هما الصحيحان «حصرا» أو بما يشي بذلك، وبإشارات لا تخلو من التعصب. أدركتُ وقتها بأن تلك الفتاة قد ابتلعت الكثير من كتب الفلسفة، ولكنها لم تهضم منها شيئا، وبأن الدرجات العليا من التحصيل العلمي هي ليست شرطا لازما ولا كافيا، لكي يدّعي الإنسان بأنه مُثقف، ولا حتى لكي يُسمى عاقلا. ولا ننسى مثلا، بأن أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، هو طبيب. ولا شك بأن الأمر نفسه ينطبق على القارئين الذين راكموا كمّا كبيرا من الكتب، على رفوف مكتباتهم أو في ذاكرتهم الحرفية.

في الحقيقة، إن أي قارئ «لألِف باء» الفلسفة، ومُمَارِس لما قرأ، ستجده يحدثك قبل أي شيء عن نسبية الحقيقة، التي لا يستطيع أن يحتكرها أحد. وكذلك فإن أي قارئ لتاريخ الديانات، وقادر على ممارسة ما يقرأ، سيكتشف مثلا بأن كل دين يرتكز معرفيا على الدين الذي قبله، في البقعة الجغرافية نفسها، أو حتى في بقع جغرافية أخرى، فيقوم القارئ باستنباط مفاهيم جديدة حول فحوى وماهية وتطور المفهوم الديني عبر التاريخ، تدفعه لأن يكون أقرب إلى عقيدة كونية مرنة ومتسامحة، من دون أن ينكر أو يبتعد بالضرورة عن دينه، الذي قد يؤمن به كجانب من الحقيقة، أو كطريقة مُحبَبَة «لتأويل» الحقيقة، أو حتى كَتُرَاث حميم يربطه به نوع من الانتماء. ولكن ليس وعاء حصريا لاختزال أو احتواء فضاء الحقيقة.

أما عن علم النفس مثلا، فلا بد لمُمَارِس قراءته، من أن يكون لديه خبرة ودراية نسبيتان بباطنه، وقدرة على فهم وتعليل دوافع أفعاله، ودوافع أفعال مَن حوله، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بشريك الحياة أو بالأولاد تحديدا. وأظنها نوعا من المغامرة غير المحسوبة، أن يقوم المرء بإنجاب أطفال، من دون أن يكون لديه قراءة مُمَارِسة لعلم النفس، حتى ولو كانت محدودة وبسيطة.

فعندما تأتي مثلا ابنتك ذات الست سنين، وتقول لك أكثر من مرة: «بابا أريد أن أتزوجك» وبنفس الوقت تغار عليك من أمها كثيرا وتحاول إبعادها عنك، وعندما تطلب منها قول جملة مُفيدة مثلا، تجدها تقول: «ماما ماتت» ثم تلحظ بعد ذلك أن ابنتك تكرر كلمة «آسفة» كثيرا، وأحيانا بدون أي سبب، وكأنها تحمل شعورا ما بالذنب، وهذا ما يكون سببا لاستدعائك لمدرستها، لمناقشة هذا الأمر. إن أي أب تقليدي قد يوبخ الفتاة بشدة، للأسباب الثلاثة الآنفة الذكر، وقد يعتقد بأن لديها ميولا غير طبيعية. ولكن يمكنك أن تستنتج وبشكل جلي، بأن الأمر يتعلق بعقدة أوديب، وإن تلك العقدة يحملها ويتأثر بها معظم البشر، بشكل أو بآخر، وإن معظم الأطفال يستطيعون تنقية أنفسهم وتجاوز تلك العقدة في سن الرشد، ولو نسبيا، فيما إذا كان المحيط الأسري سويا أصلا، وإلا فالأمر يتعلق بعقدة عويصة فعلا. وكذلك بأن طلب الفتاة الصغيرة الزواج من أبيها، هو أمر سوي وطبيعي جدا، وبأن ذلك على أي حال، ليس له علاقة بممارسة الجنس الذي يعرفه البالغون، على الرغم من أن الدافع هو «جنسي» ولكنه ليس «تناسليا» فالأطفال غالبا لا يعرفون شيئا عن آلية الجنس. وإنما أقصى ما يمكن أن يقفز إليه خيالهم في هذه الحالة، هو تبادل وجداني للعناق الدافئ والحميم مع الوالد ذي الجنس المعاكس، بالتوازي مع السعي لامتلاكه الحصري والاستئثار به، بعد نفي الوالد ذي الجنس المُشابه وإقصائه عن ميدان المُنافسة، ولو عبر تمني الموت له، لا شعوريا. بعد فترة ليست طويلة، تتوقف ابنتك عن الاعتذار المُبالغ فيه، ويختفي أي مؤشر ملموس على الشعور بالذنب.

وهكذا فإن الإحاطة بتلك الحالة والقدرة على التعامل معها برحابة صدر وسعة فهم، قد يكون ثمرة لممارستك لقراءة متواضعة لعلم النفس، منذ عقود مضت. تلك القراءة التي قد كانت أيضا خير مُعين لابتكار وسائل عملية للتعايش مع نفسٍ، قد يكمن فيها ما يكفي لقصم ظهر من يحملها. وخير مُعين كذلك، على ترسيخ فلسفة حياة، فيها ما يكفي من التناغم، لممارسة أسلوب عيش يرتكز على أسس راسخة وآمنة ومتينة. بهذا المعنى يمكن للإنسان أن يعتبر نفسه بأنه مُمَارِس لما قرأ، حتى ولو من حيث لا يدري أحيانا. 

في الحقيقة أنه من العسير على المرء، أن يُصدّق أو يُصادِق على ثقافة إنسان، شديد الجهل في التعامل مع ذاته ومع من حوله ومع مفردات وجوده، بما في فيها من وجدانيات ومفاهيم وتحديات كبرى. وبطبيعة الحال، ليس هناك إنسان قادر على بلوغ مرحلة الكمال، وليس هناك ثقافة مهما اتسعت، إلا وتبقى ناقصة. ولكن ما فائدة القراءة إذا لم تكن فعلا تنويريا، ينعكس على الذات، عبر إنارة الموضوع المقروء! وما فائدة الثقافة أصلا، إذا لم تكن مُمَارَسة! 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد