“أنت شوارعي” هكذا وصفتني أمي ذات مرة، لم أجد في اللفظ إهانة أو استهزاء بل شعرت بالسعادة حينما سمعت هذا منها، ويكأن ذلك كان اعترافًا صريحًا بالموهبة التي أتمتع بها، لم أكن موهوبًا يومًا في شيء حتى في الدراسة لم يكن لدي ذلك الطموح البرجوازي بأن أكون الأول على الفصل، كانت الحياة منذ صغري تتلخص في فعل ما أحبه ولو كانت نهاية العالم غدًا سأفعل ما أحبه، ربما يكون ذلك نوعًا من البوهيمية الزائفة تحت وطأة الضغوط اليومية التي نتعرض لها في الحياة.

كانت أمي دائمًا تحذرني من النزول إلى الشارع، هناك صديق (على باب الشارع) تقول أمي (ده أهله ماربوهوش، إوعى أشوفك واقف معاه تاني) تتصاعد تلك النبرة التحذيرية يومًا بعد يوم، الشارع في شرع أمي هو ذلك المكان الذي يفتقد للأمان، يفتقد أيضًا للمساحة التي يعطيها البيت لك من الحرية في التصرف، هو منشأ كل فعل سيء وكل لفظ سيء.

أين تعلمت هذا اللفظ البذئ؟! بالتأكيد من الشارع.

لا أعرف ما الذي دفعني لرفض تلك النزعة السلطوية لدى أمي وتحدي أوامرها بعدم النزول إلى الشارع، ولكنني نزلت، منذ الصغر أحببت تلك المغامرات الصغيرة التي نفعلها، نجتمع عند بيت صديق نخرج لنعلب الكرة أو نتفق على أن نتعارك غدًا مع (شلة) أخرى. لم تكن تلك المغامرات البسيطة التي يرتكبها أبناء المدينة من الضرب على الأجراس للشقق ثم الجري مجدية، كانت المغامرة تعني الحرب والمعركة وهناك خاسر وفائز، تلك كانت المفاهيم الأولية والواقعية عن دراما الخير والشر في الحياة، كانت وقائعية الشارع هي ما تستهويني. الشارع ذلك المكان حيث تجتمع التشكيلات البشرية المختلفة من الأطفال بلا ادعاء ولا سفسطة، كل يعرف قدر نفسة، كل يلعب ويتحدث على قدر ما تجود به قريحته.

حينما ينمو إدراك الفرد يتجه في البداية لتحليل المشاهد البصرية التي يراها، فالطفل ينظر في مهده لأبيه وأمه وحركاتهم وتنقلاتهم حوله ويحلل ذلك في عقله وكأنة ناقد سينمائي. في البداية لم يكن يستهويني التلفزيون والأفلام لأنها كانت بلا جدوى مقارنة بواقعية الشارع، إلى أن شاهدت فيلم الحريف لمحمد خان، عادل إمام يجري وأصوات أنفاسه تتقطع، كان الشارع والملعب مختلفًا قليلًا عن شارعنا وملعبنا ولكنه كان شارعًا.

لم أكن أدرك في ذلك الوقت كل تلك الفنيات التي يتمتع بها (محمد خان) في تصويره للشارع ولكنني أحببت الفيلم كثيرًا، حتى أنني ألححت على أمي أن تشتري لي (جاكت جينز) كالذي ارتداه عادل إمام في الفيلم، وحينما رفضت كنت أجري في الملعب مقلدًا عادل إمام ومتصنعًا تقطع أنفاسي مثله تمامًا. فيما بعد أدركت كم كان (خان) رائعا في هذا الفيلم بالذات، لو نظرنا (لكادرات) محمد خان النصفية لحركة الناس في الشارع وأثناء مباراة كرة القدم لعرفنا أن هذا المخرج كان (شوارعي)!، احترمت فيما بعد يوسف شاهين ونظرته الفنتازية للشارع في فيلم عودة الابن الضال، وأنشودته على لسان ماجدة الرومي (الشارع لنا) لكن خان بقي الأفضل والأكثر واقعية بالنسبة لي على أقل تقدير.

الصدام مع الواقع في الشارع كان مهمًّا لصبي مثلي كان يكره المدرسة، هناك حيث مساحة الوعي الضرورية والمكتسبة بعيدًا عن قيم الأسرة السلطوية وعادات المجتمع التي تفرض على الفرد القيام بمواءمات مختلفة لتجنب رياح التقاليد والسلطات المفروضة عليه من الجميع، هنا في الشارع كان كل شيء على حقيقته بدون تجميل ولا تزييف، فالطفل “الرخم” هو رخم، “الصايع” هو صايع، والمؤدب هو مؤدب. بالنسبة لي هذا هو المجتمع المثالي بلا ادعاء. كل على سجيته، كل على حقيقته. ببساطة شديدة الحرية في أبهى صورها.

كبرت ودخلت الجامعة في محافظة أخرى، كانت أكبر همومي هو كيف سأترك هذا الشارع وهؤلاء الأصدقاء، صراحة لم يكن صعبًا ترك الأصدقاء فهم يتغيرون كل فترة. كان الأصعب هو ترك الشارع وذكريات القهوة والخروج عند الفجر للمشي على قضيب السكة الحديدية، لكن على المرء أن يجد لنفسه شارعًا أينما ذهب.

مع الثورة أخذ الشارع منحنى آخر بالنسبة بالنسبة لي، فالمكان الذي كنت أحبه أصبح الآن أداة للتغيير، تشاجرت كثيرًا من أجل النزول، لم أفكر في وقتها هل هناك جدوى من النزول أم لا؟! ولكنني أحببت أن أجرب الشيء الذي أجيده بإيجابية.

لا أعرف هل خلقت مواقع التواصل الاجتماعي جزرًا منعزلة من الأشخاص عن بعضهم البعض أم لا، هل حولت تلك المواقع البشرية بأجمعها لمجرد لغات برمجية من الصفر والواحد، المشاعر تم اختصارها في الوجوه التعبيرية (الإيموشنات)، ربما لو أدرك فلاسفة الحداثة ذلك التطور لكانوا حلوا معضلة فلسفة الجمال الذين اختلفوا كثيرًا حولها، الواقع الافتراضي الذي خلقته تلك المواقع جدير جدًّا بأن يستغني البشر عن الواقع الحقيقي، فالكل أصبح يعرف الكل، الحياة الخاصة والمشاعر والحب لكل شيء في الحياة أصبح الكل يعرفه عنك، كل يعرف ما الذي تفضله من طعام، شراب، ملبس، حتى الموسيقى من الممكن أن نعرفها عنك عن طريق حسابك على موقع التواصل الاجتماعي، فما الداعي إذًا لوجود التواصل الفعلي ما دام التواصل الافتراضى يغني عنه؟!

ربما تكون فعلًا الفكرة كما أسلفت هي مساحة الحرية التي يعطيها الشارع ومساحة الأمان بالمرة، وقد يجادل البعض أن الشارع لا يمتلك مساحة الأمان التي يمتلكها المنزل بحكم أن في المنزل لا يمكن أن يتعرض لك (بلطجي) ويبرز ما في جيبك مما أفاءه الله عليك، لكن قد يكون فعلا هذا مظهر أمان وليس الأمان. من البساطة والسطحية أن نعتبر الأمان هو السلامة الشخصية فقط.

بالنسبة لي الأمان يعني الحرية، يعني البعد عن السلطة الأبوية، يعني مساحة الخصوصية الوهمية التي يعطيها لك الشارع حينما تمشي مشعلًا سيجارة، لن تجد أباك قادما فتطفئها بسرعة أو تقول لك أمك أن التدخين يضر بصحتك. بل ستفعل ما يحلو لك ما دمت مقتنعًا بأن هذا يجلب لك السعادة. لايهم الوقت لا يهم الجو المهم أن النزول للمشي في الشارع يعطي لي السعادة، ولذك أنزل وأمشي في الشارع.

لو سلمنا بالقول أن المهمة الأساسية لنا في هذه الحياة هي البحث عن السعادة، فأعتقد أن أحدًا لم يدركها حتى الآن ولكن تكمن تلك المظاهر للسعادة في تلك التفاصيل الدقيقة التي تتجسد في الحرية والحب والجمال والموسيقى، وبالنسبة لي كل هذا أجده في الشارع، فالشكر لأمي لأنها جعلتني أتمرد وأنزل للشارع بدلًا من الجلوس بجانبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشارع
عرض التعليقات
تحميل المزيد