بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله العربي الأمين أما بعد:

قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» [الأحزاب:56]

يخبرنا الله، سبحانه وتعالى، أنه صلى عليه، كما يخبرنا بأن ملائكته صلوا عليه، ثم يطلب منا فيقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ» (أنتم)، والأمر يفيد الوجوب فلا بدَّ من الصلاة عليه ولكن!

إن قلنا إن معنى الطلب في الآية أن نقول «اللهم صل على سيدنا محمد» فنحن نرد الأمر إلى الآمر أي نطلب من الله وندعو الله ليصلي عليه، والله أخبرنا بأنه صلى عليه وطلب منا نحن الصلاة عليه، وإن قلنا «صلى الله عليه وسلم» فنحن نخبر بأن الله صلى عليه، وبذلك لم نصل نحن عليه، فكيف نصلي نحن عليه وما المقصود فيها؟

في قراءة لما يقارب 30 تفسيرًا ويزيد وجدنا بعض الجزئيات هنا وهناك من الممكن أن تخرجنا من هذا الإشكال بتفسير بديع.

ففي تفسير ابن كثير: صلاة الله ثناؤه عليه، وفي أنوار التنزيل: إن الله وملائكته يصلون على النبي يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه اعتنوا أنتم أيضًا، فإنكم أولى بذلك…، والقرطبي: هذه الآية شرَّف الله بها رسوله، عليه السلام، حياته وموته، وذكر منزلته منه.

ومفاتيح الغيب: والذي نزيده هاهنا هو أن الله تعالى قال هناك: هو الذي يصلي عليكم وملائكته جعل الصلاة لله وعطف الملائكة على الله، وهاهنا جمع نفسه وملائكته وأسند الصلاة إليهم فقال: يصلون وفيه تعظيم النبي، عليه الصلاة والسلام، وتفسير ابن عطية: هذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام وذكر منزلته منه…، وهنا أختم النقول بنقل البيهقي في أحكام القرآن: عن أبي مسعود الأنصاري، أنه قال: أتانا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلى عليك يا نبى الله فكيف نصلي عليك؟ فسكت النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى تمنينا أنه لم يسأله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: قولوا: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.».

وبعد هذا نقول في شأن هذه الآية فإن الله سبحانه وتعالى رفع من شأن رسولنا في ذكره في الملأ الأعلى، وأمرنا بذكره رفعًا لشأنه ليكون ذكره في الملأ الأعلى وفي الأرض، وهذا معنى الصلاة هنا، أي ذكره مطلقًا والثناء في حقه عبادة، وبذلك يتحقق وجه من وجوه معاني الصلاة، واحتار الأصحاب بماذا يذكرون نبيهم فسألوه فما كان منه إلا أن قرن نفسه بخليل الله إبراهيم، «كما صليت على إبراهيم»، «كما باركت على إبراهيم» وذلك أعظم ذكر، وما أعظم منزلة إبراهيم؛ إذ هو من تفرد بتلك الأوصاف في القرآن، وما أعلى منزلته عند الله، فكيف عندما نذكر سيدنا محمد ونرفعه في الذكر لمنزلة الخليل!

وأما ما بعد طلب الصلاة، فطلب منا سبحانه أن نسلم تسليمًا، وقد وردت باللفظ نفسه في سورة النساء، قال تعالى: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» : (النساء 65)

تأمل السياق: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ…. حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ… وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.

ولفظ «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» تختلف عن سلموا سلامًا وآتيًا بعض التفسيرات فيها:

1- الطبري: «ويسلموا تسليمًا»، يقول: ويسلّموا لقضائك وحكمك، إذعانًا منهم بالطاعة، وإقرارًا لك بالنبوة تسليمًا. (ولم يفسرها بإلقاء السلام على النبي ولا بالدعاء له بالسلامة)

2- القرطبي: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أَيْ يَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ في القضاء. وقال الزجاج: (تَسْلِيمًا) مصدر مؤكد، فَإِذَا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ضَرْبًا فَكَأَنَّكَ قُلْتَ لَا أَشُكُّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أَيْ وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لَا يُدْخِلُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ شَكًّا. (ولم يفسرها بإلقاء السلام على النبي ولا بالدعاء له بالسلامة)

3- السمرقندي: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أي ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعًا. (ولم يفسرها بالقاء السلام على النبي ولا بالدعاء له بالسلامة)

وهذا التفسير ينسجم مع تفسير الصلاة كما ذكرناه سابقًا.

فيصبح معنى الآية الكريمة أن الله يُثني على رسوله ويرفع من شأنه وقدره، والملائكة في الملأ تذكره وتثني عليه، فيا أيها المؤمنون اذكروه واثنوا عليه واذعنوا له بالطاعة والنبوة.

فالصلاة عليه ذكره مطلقًا بأي وصف، ونستذكر ما طلبه رسولنا برفعه لدرجة الخليل، وذلك ما نراه أحسن التأويل.

من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر.

والحمد لله رب العالمين.

أثار الإشكال الصديق د. عبد الله القيسي، وأشار إلى معنى التسليم مشكورًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سلموا, صلوا
عرض التعليقات
تحميل المزيد