كثيرًا ما يطرق أسماعَنا بعضُ الأدعية من بعضِ الدعاة والمشايخ يدعون فيها بالويل والثبور على غير المسلمين دون تقييد بوصف كالمعتدين منهم وما أشبه ذلك من القيود، وفي بعض الأحايين يدعون على عصاة المسلمين مثل الفنانين والفنانات والنساء السافرات، ومن ذلك الدعاء على اليهود والنصارى والكفر والمشركين بمثل قولهم: اللّهم عليك باليهود والنصارى، اللّهم عليك بالكفار والمشركين، اللّهم أحصهم عددًا، وأهلكهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا. اللهّم رمَّل نساءهم، اللهم ثكّل أمهاتهم، اللهم يتِّم أولادهم.

ولو استنكر عليهم أحدُنا بأن مثل هذا التعميم لا يجوز شرعًا لَسُرعانَ ما تلوا عليك دعاءَ سيدنِا نوح – عليه السلام – على قومه (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [سورة نُوحٍ: 26].

ومن يمعن النظر في هاته الآيات الجليلات لظهر له أنهم قد أبعدوا النجعة في استدلالهم بها على جواز دعاء الاستئصال على غير المسلمين، وذلك لما يأتي:

أولًا: إن سيدنا نوحًا – عليه السلام – قد سلك مع قومه جميعَ المسالك، وانتهج جميعَ السبل، وَطَرقَ جميعَ الطُّرق التي يمكن طرقُها بُغيةَ هدايتهم وإخراجِهم من الظلمات إلى النور.

قال تعالى في سورة نوح (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10).

ثانيًا: إن سيدَنا نوحًا – عليه السلام – قد عانى من قومه ما عانى، وأوذي ما أوذي، واستُهزِئَ به وبمن معه أيما استهزاء، ووُصِمَ بكونه كذابًا مفتريًا مجنونًا، قال تعالى في سورة المدثر (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) القمر، (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)، وهُدِّدَ بإخراجه وطردِه مِن موطنه وأرضه كما قال تعالى في سورة إبراهيم (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (13)، وحاولوا قتلَه وسفكَ دمِه الطاهرِ الزكِّي كما قال تعالى في سورة غافر (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5).

وهو مع كل ذلك صابرٌ على أذيتهم واستهزائهم، ولا يلجأ إلى الدعاء عليهم.

ثالثًا: إن سيدنا نوحًا – عليه السلام – صبر على قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا.

رابعًا: إن سيدنا نوحًا – عليه السلام – لم يَدْعُ على قومه بالهلاك وعذابِ الاستئصال إلا بعد أن أوحى الله تعالى إليه بأن قومَه لن يؤمنوا به إلا مَن قد آمن، ونهاه ربه عن طلب الشفاعة لهم بتأجيل عذابهم، أو رفعه عنهم، أو اللطف والرحمة بهم، فأيس سيدُنا نوح – عليه السلام – مِن إيمانهم وهدايتهم لَـمَّـا أبلغه الوحيُ بذلك فدعا بعد ذلك عليهم بالهلاك، قال تعالى في سورة هود (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37).

قال الرازي في تفسير قوله تعالى (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ):

«يَعْنِي لَا تَطْلُبْ مِنِّي تَأْخِيرَ الْعَذَابِ عَنْهُمْ فَإِنِّي قَدْ حَكَمْتُ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ، فَلَمَّا عَلِمَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ دَعَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [سورة نُوحٍ: 26]). (1)

وقال الرزاي – أيضًا – في تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) سورة إبراهيم 15:

«اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وَدَعَوْا عَلَى قَوْمِهِمْ بِالْعَذَابِ لما أيسوا من إيمانهم، قالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [سورة نُوحٍ: 26] وَقَالَ مُوسَى: رَبَّنَا اطْمِسْ [سورة يُونُسَ: 88] الْآيَةَ. وَقَالَ لُوطٌ: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [سورة الْعَنْكَبُوتِ: 30]».(2)

خامسًا: إن سيدنا محمدًا – صلى الله عليه وسلم – نهاه ربه عن أن يلجأ إلى الدعاء على قومه بعذاب الاستئصال وأمره بالصبر على قومه مهما فعلوا، فإن الله حافظه ومعينه، وناصرٌ دينه.

قال الله تعالى (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [سورة الطور: 48].

قال الرازي: «لَمَّا قَالَ تَعَالَى: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [سورة الطُّورِ: 45] كَانَ فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي نُصْحِهِمْ نَفْعٌ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ [سورة الطُّورِ: 44] وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْمِلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الدُّعَاءِ كَمَا قَالَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا) وَكَمَا دَعَا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ تَعَالَى: (وَاصْبِرْ) وَبَدِّلِ اللَّعْنَ بِالتَّسْبِيحِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بَدَلَ قَوْلِكَ اللَّهُمَّ أَهْلِكْهُمْ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الحوت) سورة القلم: 48».(3)

وقال أيضًا: «قَالَ فَاصْبِرْ وَلَا تَدْعُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّكَ بِمَرْأًى مِنَّا نَرَاكَ وَهَذِهِ الْحَالَةُ تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَكُونُ مِنَ الْأَحْوَالِ لَكِنَّ كَوْنَكَ مُسَبِّحًا لَنَا أَفْضَلَ مِنْ كَوْنِكَ دَاعِيًا عَلَى عِبَادٍ خَلَقْنَاهُمْ، فَاخْتَرِ الْأَفْضَلَ فَإِنَّكَ بِمَرْأًى مِنَّا».(4)

سابعًا: إن الله أمرنا بالاقتداء برسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقال (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (سورة الأحزاب: 21).

والرسول – صلى الله عليه وسلم – لما بدأ يلعن بعض صناديد المشركين بعدما بلغت أذيتُهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – والذين آمنوا معه، نزلت عليه الآياتُ تنهاه عن ذلك، وتأمره بالصبر على ما يقولون ويفعلون.

فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر – رضي الله عنه – أنه سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بعدما رفع رأسه من الركوع في صلاة الفجر يقول: «اللهم ربنا، ولك الحمد في الأخيرة»، ثم قال: «اللهم العن فلانًا وفلانًا»، فأنزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) [سورة آل عمران: 128].(5)

وروى البخاري كذلك عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، فربما قال: «إذا قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف» يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللهم العن فلانًا وفلانًا، لأحياء من العرب» حتى أنزل الله: ليس لك من الأمر شيء الآية.(6)

ثامنًا: لا أخفيكم بأن هناك آية في القرآن أذهلتني وجذبتني، فانجذبت إلى حضنها الدافئ وصدرها الحنون أيـَّما انجذاب، وكأني أقرؤها وأسمعها لأول مرة، والسؤال الذي كان يراودني بين الفينة والأخرى: لِـمَ لـَمْ يُعر لها الاهتمام الذي تستحقه؟!

وكلما قرأتـها انتابني شعور بالأســى والحزن البالغ على هذا الازورار العنيد عن المقاصد القرآنية للحب والتسامح والسلام.

والآية هي الآية الرابعة عشرة من سورة الجاثية. يقول المولى عز وجل فيها آمرًا حبيبه وصفيه – صلى الله عليه وسلم – أن يبلِّغَ جميعَ أمتِه بأن يغفروا لجميع الذين لا يرجون أيام الله تبارك وتعالى «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ».

وهنا ربـما يخطر بالبال إشكالٌ مفادُه أن هذا الأمرَ إنما كان في أيام ضَعف المسلمين واستضعافِهم مِن قبل الطواغي والمجرمين من أهل مكة فلذلك لا ينبغي أن يعمَّمَ، بل يُجعلُ خاصًّا بحالة الاستضعاف والتشرذم.

بَيدَ أنَّ هذا الإشكالَ سرعانَ ما يتلاشى أمامَ أنوارِ الآياتِ القرآنيةِ الأُخرى وأمامَ السيرةِ الزكيةِ لصاحب أطهرِ قلبٍ عرفته البشرية – صلى الله عليه وسلم -.

فقد روى الطبراني عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – حين كُسِرَت رباعيتُه، وجُرِحَ وجهُهُ، وهُشِّمَت البيضةُ على رأسه، قال: «اشتد غضب الله على قوم كَلَمُوا وجهَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم»، ثم مكث ساعة، ثم قال: «اللهم اغفر لقومي فإنـَّهم لا يعلمون».(7)

وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يحكي نبيًا من الأنبياء، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».(8)

ما أعظمك يا رب! ما أكرمك يا رب! تأمرنا جميعًا بأن نغفر لمن لا يرجوك ولا يرجو أيامك! ولكن لماذا لم تُعط الآية هاتِـهِ حقَها! لماذا لم يَقِف عندها طويلًا أولو الألباب والنُهى والأقلامُ من علمائنا! أليست الآية مستحِقةً للتريث هُنيهةً أمام عَتَبةِ بابِـها والتزودِ من زاد محرابـها!

أسئلةٌ وأسئلةٌ ما زالت تدغدغ مشاعري وأحاسيسي.

تاسعًا: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في أشد ما مرَّ عليه يترك الدعاء على من يستحق ذلك رجاء أن يهتدي أحدٌ من نسله وذريته، فقد روى البخاري في صحيحه عن عروة، أن عائشة – رضي الله عنها -، زوج النبي – صلى الله عليه وسلم – حدثته أنها قالت للنبي – صلى الله عليه وسلم -: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا».(9)

وقد استجاب الله له دعاءه وحقق له رجاءه. فقد ذكر أصحاب السير أولاد أبي لهب وهم: عتبة، وعتيبة، ومعتب، ودرة، وخالدة وعزة. وقد أسلموا جميعًا بعد فتح مكة ما عدا عتيبة الذي قتله الأسد بالزرقا كافرًا. وكان عتبة ومعتب ممن ثبت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم حنين، وأصيبت عين معتب يومئذ.

وأسلم من أولاد أبي جهل عكرمة وأسلم معه زوجه أم حكيم بنت الحارث، وابنه عمر بن عكرمة. وأسلم أخو أبي جهل الحارث بن هشام. ومن بنات أبي جهل أسلمت جميلة، وجويرية، والحنفاء، وصخرة، وأم حكيم، وأم سعيد.

والوليد بن المغيرة الذي قال الله فيه (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17 سورة القمر) أسلم من أبنائه الوليد بن الوليد، وخالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، ومن بناته حرملة، وعمارة، وناجية، وعاتكة، وفاختة، وفاطمة. وأسلمت زوجة الوليد بن المغيرة آمنة بنت حرملة.

عاشرًا: إن الدعاء على جميع غير المسلمين بالهلاك والدمار وعذاب الاستئصال دعاء غير مقبول لأن الكفار يبقون إلى قيام الساعة، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله».(10)

حادي عشر: ثم إنه مخالف لأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يبروا غير المعتدين منهم، قال تعالى في سورة الممتحنة (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8).

قال القرافي في تفسير الـبـِرِّ المراد هنا: «وَأَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ بِرِّهِمْ وَمِنْ غَيْرِ مَوَدَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ فَالرِّفْقُ بِضَعِيفِهِمْ وَسَدُّ خُلَّةِ فَقِيرِهِمْ وَإِطْعَامُ جَائِعِهِمْ وَإِكْسَاءُ عَارِيهِمْ وَلِينُ الْقَوْلِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخَوْفِ وَالذِّلَّةِ وَاحْتِمَالِ إذَايَتِهِمْ فِي الْجِوَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لُطْفًا مِنَّا بِهِمْ لَا خَوْفًا وَتَعْظِيمًا وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَأَنْ يُجْعَلُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَنَصِيحَتُهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَحِفْظُ غَيْبَتِهِمْ إذَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِأَذِيَّتِهِمْ وَصَوْنُ أَمْوَالِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ وَأَنْ يُعَانُوا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَإِيصَالُهُمْ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَكُلُّ خَيْرٍ يَحْسُنُ مِنْ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عَدُوِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَجَمِيعُ مَا نَفْعَلُهُ مَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالَةِ مِنَّا وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَتَحْقِيرِ أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ الصَّنِيعِ لَهُمْ».(11)

وبهذه العجالة إخالني قد أمطت اللثام عن وجه الحق في هاته المسألة الخطيرة الجليلة، أسأل الله تعالى أن يهدينا إلى الطريق المستقيم الحق والصراط السوي، ويُجَنِّبَنا الخطأَ والخطل، ويغفر لنا الخطيئة والزلل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


(1) مفاتيح الغيب = التفسير الكبير، أبو عبد الله محمد بن عمر الملقب بفخر الدين الرازي (المتوفى: 606هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

الطبعة: الثالثة – 1420 هـ: 17/345

(2) تفسير الرازي: 19/78.

(3)  تفسير الرازي: 28/ 228.

(4) تفسير الرازي: 28/229.

(5) صحيح البخاري – كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة – باب قول الله تعالى: ليس لك من الأمر شيء.

(6) صحيح البخاري – كتاب تفسير القرآن – سورة البقرة – باب ليس لك من الأمر شيء.

(7) رواه الطبراني المعجم الكبير للطبراني – من حديث سهل بن سعد – رضي الله تعالى عنه –.‏

(8) صحيح البخاري – كتاب أحاديث الأنبياء – باب حديث الغار.

(9] صحيح البخاري – كتاب بدء الخلق – باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء.

(10) صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب ذهاب الإيمان آخر الزمان.

(11) الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس المالكي الشهير بالقرافي (المتوفى: 684هـ)، عالم الكتب: 3/15.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد