لما اقتضت حكمة الله أن يجعل لكل نبي معجزة يحاجج بها قومه، كان القرآن الكريم هو المعجزة الأهم والأعظم لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولما أحس كفار مكة بخطر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على مكانتهم بين العرب (بوجود الأصنام عندهم ودعوة الإسلام للمساواة) ومكاسبهم الاقتصادية.. هرعوا مباشرة إلى التشكيك في هذه الدعوة الوليدة بكل ما أوتوا من قوة، وكان القرآن أهم ما يفترض عليهم التشكيك فيه، وذلك لأنه يتحداهم في الفصاحة والبيان، وهو أهم ما يميزهم.

فكانت خططهم بالتشكيك في مصدر القرآن أحيانًا واتهامهم بكذب النبي صلى الله عليه وسلم في نقله عن الله أحيانًا واتهامهم للنبي بسحر مستمعيه وغير ذلك من الافتراءات، وكلها فشلت تمامًا، ولم يجدوا بعد ذلك إلا العداوة الصريحة الغير مبررة «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ» (الزخرف – 22).. أي سنكفر بك يا محمد هكذا بدون أسباب.

وماتت هذه الفرية قرونا كثيرة إلى أن سقطت الخلافة الإسلامية (1343هـ ـ 1924م) ولم يعد للمسلمين حامية يحتمون بها، ولا رباط يربطهم، ولا أهداف تجمعهم، بدأت تخرج للعلن مرة أخرى أفكار للتشكيك في إعجاز القرآن الكريم، حتى اهتمت كثير من الجامعات بتدريس الشعر الجاهلي والمعلقات السبع، وكيف أن العرب كانوا فصحاء وبلغاء، ومن الطبيعي أن يخرج منهم من يقول كلامًا كآيات القرآن الكريم حاشا لله، ولم يقتصر ذلك على غير المسلمين، بل إن كثير من المسلمين رددوا هذه الافتراءات ونشروها ودرسوها في مدارسهم وجامعاتهم.

ومقصدهم بالطبع ليست دراسة اللغة العربية وتاريخها، بل هو تشكيك المسلمين في دينهم ومعجزة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ورأينا جميعًا دعوات الإلحاد وانتشارها، وكان التشكيك في القرآن هو أهم أسلحتهم.. ويا لسعادة عدوك بأن تقتنع بفكرته وترددها وتخصم من نقاط قوتك بنفسك!

وكذلك فكرة أن الجيش هو من انقلب على مبارك أو أن مبارك – الذي دمر مصر 30 عامًا وعاث فيها فسادًا وظلمًا – تنحى حرصًا على مصلحة البلد فكرة انهزامية سلبية، وأصلًا ليس لها أي دلائل على أرض الواقع, وقائل ذلك يقيس على ما يراه الآن من قوة الدولة العميقة وتجبرها وسجن آلاف الأبرياء وقتل المئات بدم بارد ومحاربة ثورة (25 يناير) بكل الوسائل حتى وان كانت مجرد فكرة في مخيلة الناس.

فقط حالة الهزيمة التي يعيشها الثوار هي السبب في مثل هذه الأفكار ولا ينبغي لمن يريد أن يتدارك هزيمته أن يتبنى رواية عدوه ونشرها.

كل من نزل إلى الميادين المصرية (وليس ميدان التحرير فقط وإن كان هو الرمز الأكبر) رأى بنفسه حرص الشرطة بمساعدة البلطجية (ولهم تنظيم محكم كما علمنا بعد ذلك) على وأد الثورة ولم يتورعوا عن استخدام الرصاص الحي والخرطوش وقنابل الغاز وكل ما أوتوا من قوة.. ولما فشلوا استعانوا بالجيش وكانت مدرعات الجيش تنقل الذخيرة لوزارة الداخلية بشهادة الآلاف ولما هجمت الجمال والخيول والحمير ميدان التحرير – موقعة الجمل يوم الأربعاء 2 فبراير (شباط) 2011 – كانت قوات الجيش موجودة تسهل عملهم ولم يكن بمقدورهم مهاجمة الثوار في الميدان لولا تعاون قوات الجيش المتمركزة في أطراف الميدان وقتها، بل إنَ رئيس المخابرات العسكرية (عبد الفتاح السيسي وقتها) ذهب بنفسه ليلتها ليقنع قادة الثورة بإفساح المجال لأنصار مبارك (البلطجية) بالدخول لميدان التحرير (شهادة مشهورة للدكتور البلتاجي).

ولولا أن الثورة كانت عظيمة ومنتشرة في كل طول البلاد وعرضها حرفيًا (فلم يقصر أهل الأسكندرية والبحيرة كما تفاعل أهل قنا والنوبة وبين ذلك كل المحافظات المصرية) كما أن مركبات الجيش وقتها كانت في أغلبها مجنزرات بطيئة (تتحرك بالجنازير) لا تستطيع الانتشار بسرعة وهو ما تداركه المجلس العسكري بعد ذلك بتعاون كل أذرع الدولة العميقة داخليًا وقوى الثورات المضادة خارجيًا (الإمارات والسعوية) في الإعداد للانقلاب على الدكتور محمد مرسي رحمه الله أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر.

كل ذلك وغيره يؤكد بما لا يدع مجال للشك أن الجيش لم يحم الثورة، ولم ينقلب على مبارك، كما أن اهتمام المستشرقين بالشعر الجاهلي لم يكن حبًا في اللغة العربية.

ثورة 25 يناير كانت ولا زالت رغم انكسارها ملهمة ومعجزة ونقية.. لم يتوقعها أحد ولا حتى من خرجوا في الطليعة اعتراضًا على ظلم الشرطة وحبيب العادلي، المطلب الأولي ليوم 25 يناير (كانون الثاني)، ثورة يناير هي أفضل لحظات تاريخ مصر على الإطلاق شاء من شاء وأبى من أبى.. نزعت الحكم من مبارك انتزاعًا بعد أن كسرت شرطته وهربوا بملابسهم الداخلية أمام الجميع بخزي وعار يلازمهم حتى الآن، ولن ينسوه أبدًا، وما تنكيلهم بكل من خرج في الثورة إلا لأنهم لم ينسوا ما حصل بهم في تلك الأيام.

وختامًا فكما أن المحارب لا ينبغي له أن يفرط بسلاحه، وكما أنه لا ينبغي للمسلم أن يردد افتراءات المستشرقين، كذلك لا ينبغي لمن خرج على مبارك وظلمه وفساده أن يردد سرديات أولاد مبارك، فحتى لو كانت الهزيمة هي حالتك الظاهرة، فلا تترك الهزيمة النفسية تتمكن منك، إذ إن المنهزم من داخله لن يكتب له نصر حتى لو امتلك كل أدوات النصر.

ولأن أسباب الثورة ما زالت موجودة، بل إنها تعاظمت، ولأن أولاد مبارك يعلمون تمامًا أن روح الثورة لم تمت في النفوس حتى الآن (وهو ما يؤكده المنقلب عبد الفتاح السيسي دائمًا) فلن يملَ الظالمون من ترديد هذه الأكاذيب، وغيرها معتمدين على إعلام فاسد مأجور بقاعدة أن ما تكرر تقرر أو «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس».

«الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُد فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (آل عمران. (173 – 175).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد