سنون كثيرة مضت منذ أن أحدث كتاب: (في الشعر الجاهلي) دويه الشهير في الأوساط الثقافية المصرية والعربية. كان صاحب الكتاب بثقافته الفرانكفونية الليبرالية متأثرًا بالمنهج الديكارتي في الشك وإخضاع المسلمات التاريخية للنقد والفحص. أدت به قناعاته العقلانية والنقدية المستمدة من فلسفة التنوير ومن فكر أساتذته أمثال إميل دوركايم وليفي بريل إلى أن يتجرد في بحثه من المعلومات المسبقة ويستقبله خالي الذهن من كل تحيز قبلي يعوقه عن الوصول لحقائق الأمور. كانت الثقافة الإسلامية للوسط الفكري الذي استقبل الكتاب متعارضة مع قوله: لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه، ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي، ولا وجلين حين ينتهي بنا البحث إلى ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية. نال الكتاب هجومًا حادًا، وسحب من الأسواق وفصل طه حسين من منصبه الجامعي كرئيس لكلية الآداب.

كانت خطورة طرح طه حسين أنه عد الكثرة المطلقة من الشعر الجاهلي منتحلًا كتب بعد ظهور الإسلام، وبالتالي فهو يمثل حياة المسلمين وثقافتهم أكثر مما يمثل حياة عرب الجاهلية. مس ذلك تفسير القرآن وتأويل الحديث اللذين كانا يستشهدان بالشعر الجاهلي. إن هذه الأشعار لا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما إتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث، فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعًا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدون عليه. كان طه حسين يقول بأنه ينبغي الاستشهاد بالقرآن والحديث لتفسير هذه الأشعار وتأويلها لا العكس. شرح في الكتاب أهداف الانتحال السياسية والدينية وحتى الشعوبية. لم يكن ما كتبه طه حسين موضع تسليم من جورج طرابيشي، رأى الأخير في مقاله (عودة إلى نظرية طه حسين في الشعر الجاهلي) أن فرضية طه حسين ذات النزعة الإطلاقية عن إنتحال الشعر الجاهلي برمته تصاب بإرتجاجة في واحد على الأقل من أساساتها. كان الأساس المقصود هو رحلة امرئ القيس إلى القسطنطينية.

خلاصة هذا البحث القصير أن شخصية إمرؤ القيس أشبه بشخصية الشاعر اليوناني هوميروس. لا يشك مؤرخو الآداب اليونانية في أنها قد وجدت حقًا، وأثرت في الشعر القصصي تأثيرًا قويًا باقيًا، ولكنهم لا يعرفون من أمرها شيئًا يمكن الاطمئنان إليه، وإنما ينظرون إلى هذه الأحاديث التي تروى عنه كما ينظرون إلى القصص والأساطير. ثم كانت هذه القصة المنتحلة سببًا في انتحال قصة أخرى هي قصة ذهاب امرئ القيس إلى القسطنطينية وما يتصل بها من الأشعار. ثم يكفي أن تقرأ هذا الشعر لتحس فيه الضعف والاضطراب والجهل بالطريق إلى القسطنطينية. شرحت الأقوال السابقة لطه حسين في كتابه رأيه حول شخصية امرئ القيس وأشعاره المتعلقة بالسفر إلى القسطنطينية.

يروي جورج طرابيشي في إحدى المقابلات معه منذ نحو عقدين من الزمان أنه وقع صدفة وهو يراجع تاريخ كنيسة بيزنطة -في معرض تفكيك قراءة محمد عابد الجابري للفلسفة المسيحية – على إشارة في حوليات الكنيسة إلى أنه في عام 473 م زار عاصمة الدولة البيزنطية أمير عربي يدعى إمرؤ القيس يطلب المساعدة في رد ملكه، فاستقبله القيصر وأحسن وفادته ووعده بالمساعدة مشترطًا عليه أن يعتنق عقيدة مجمع خلقيدونية. كانت هذه أول إشارة موثقة من خارج الموروث العربي إلى الصحة التاريخية لما روي عن امرئ القيس من فقدانه ملكه وارتحاله إلى بلاد الروم طلبًا للمساعدة. فقدت الصفحة الموثقة من المفكر الراحل، فواصل بحثه على الإنترنت عن امرئ القيس ليجد نصين يؤكدان زيارته للقسطنطينية. كانت مشكلة النص الأول هو غياب المصدر التاريخي الذي نقل عنه كاتب النص خبر الزيارة، إلا أنه كان يستمد أهميته من تشابهه مع الحولية المفقودة في كونه نصًا أجنبيًا لم يستعن بالروايات العربية (موضع الإتهام من طه حسين) التي ذكرت خبر الزيارة.

أوضح النص الثاني (تاريخ العرب قبل الإسلام) للمؤرخ جواد علي المصدر التاريخي لقصة الزيارة، وهو مؤرخ يعتقد من اسمه ملخوس الفيلادلفي أنه كان سريانيًا. يذكر طرابيشي أنه عاش ومات في القرن الخامس الميلادي (وبالتالي كان معاصرًا للزيارة)، كما أن كتابه (تاريخ بيزنطة) قد ضاع ولم تصلنا منه سوى شذرات قليلة. إلا أن المحير في خبر الزيارة هو تاريخها 473 م في حين أن امرئ القيس الشاعر ولد في أغلب التقدير 520 ومات في حوالي العام 565. يرجح طرابيشي أن زائر القسطنطينية هو الجد الذي كان معنيًا بالسياسة والملك ولم يكن شاعرا. وهكذا فإن اجتهاد طرابيشي استطاع أن يثبت خبر الزيارة، وأنها لم تكن وليدة مخيلة الرواة، لكنه لم يستطع أن يدلل على صحة الشعر المتصل بها، لأن الشاعر ولد في القرن التالي للزيارة. لا ندري أصلًا – بانتظار أن تثبت الوثائق ذلك – إن لم يكن امرؤ القيس الحفيد قد كرر بدوره، محتذيًا حذو الجد وربما لأسباب مشابهة، زيارة القسطنطينية. كانت الجملة الأخيرة من مقال طرابيشي الذي كتبه قبل وفاته بشهور قليلة، ليختتم القول بأن المقال يلقي بصيصًا من ضوء على الإشكالية التي طرحها طه حسين ومدارها على السؤال التالي هل نفسر القرآن بلغة الشعر الجاهلي، أم نفسر الشعر المسمى جاهليًا بلغة القرآن؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين
مقال "عودة إلى نظرية طه حسين في الشعر الجاهلي" لجورج طرابيشي
عرض التعليقات
تحميل المزيد