الكل يستعد ويقوم بإعداد نفسه، ولكن ليست على الطريقة المصرية التى نعرفها من شراء مختلف المأكولات والمشروبات، وادخار بعض المال لشراء مستلزمات ما بعد رمضان، وسؤال أصدقائه عن الخطة الدينية فى رمضان من اختيار المسجد الذى سيصلى فيه مع أصدقائه، وما بعد صلاة التراويح من أنشطة ليلية، وكم مرة ينوي كل من أصدقائه ختم القرآن الكريم، وما هى الأنشطة التى يُحبب فعلها فى رمضان، وإن كانوا يعرفون بعض المساكين أو الأيتام الذين يجب عليهم التودد إليهم، ومد يد العون لهم فى رمضان، ومحاولة قضاء الشهر الكريم على أفضل حال، والخروج منه بروح جديدة لا ترى إلا الخير، ولا تنوي إلا على المعروف، ومحاولة اكتساب أكبر قدرٍ من الثواب فى الشهر الفضيل.

        وإنما بطريقة أخرى من الإعداد وضبط النفس والتخلي عن الخروج والسهرات ومقابلة أصدقائه المقربين، حيث إنه ليس لديه سوى عدد قليل من الأصدقاء المسلمين، والذين من المؤسف وبحكم البلد الشيوعي الذي يسكنونه، والمجتمع البوذى والحياة المفرطة أصبح جزء كبيرًا منهم يشرب الخمر، وأحيانًا يتجاوزون ذلك لمستويات أعلى من الانحراف، ولكن ذلك ليس بالأمر الهام، فهم أصدقاؤه، وعليه أن يسايرهم كيفما كانوا، ما دام محافظًا على نفسه، ولا يصح فى بلد كهذا أو مع أشخاص كهؤلاء أن تُعدل على تصرفات أحدُهم أو حتى أن تقوم بنصحه؛ لأنه – وبكل تأكيد – ستخسره. فقد اعتاد كل منهم هذه الحال، كما أنه قد سبق وخسر بعضهم، ولكن ليس لنصحهم، وإنما لأنه كان الشاذ الوحيد فى المجموعة الذى لا يشرب ولا يصادق، ولم تكن لديه نفس الأهواء التى لدى الكثير من الجَمع، والحل الوحيد هو أن يعود لموطنه العربي لقضاء إجازة واستعادة ما فوته من عادات دينيه ودنيويةٍ قديمة.

كما أن من الاستعدادات أيضًا أن يقوم بسؤال أصدقائه أو عائلته عبر الهاتف عن تاريخ بداية الشهر الكريم بالتحديد ومحاولة السيطرة على مشاعره، خاصة عند قول: كل عامٍ وأنتم بخير، حيث تتسارع ذكريات مائدة الإفطار معهم كما تعود من قبل، وتجهيز العصائر قبلها بنفسه، ولا عجب فى أن تتسلل رائحة الطعام إلى أنفه كما لو كان تذكيرًا روحيًا؛ فيسأل عن الوقت ليخبر حبيبته إن كان لديه إحداهن وأصدقاءه الأجانب الذين يدرسون أو يعملون معه أو حتى المعارف الذين تعود أن يراهم فى الأماكن التى اعتاد الظهور فيها أنه لن يصبح قادرًا على الخروج لمدة شهر بحكم الصيام، فيتساءل الجميع: ولم لا؟

فأنت لا تشرب ولا تدخن على أية حال، وإنما تجلس معنا لنتسامر لا أكثر؟ فلم لن تستطيع الخروج إذن؟ فلا يكون منه إلا أن يحاول أن يشرح الأمر بطريقةٍ لا تؤذى مشاعر أيًا منهم، وأنه ليس التسامر هو المشكلة، وإنما الأماكن التي يجلسون فيها، فهو لم يعتد البارات إلا من أجلهم، أما الآن فالدين فوق متطلبات الأصدقاء، ويفضل أن يعانى من الوحدة والتفكير والسرحان، والاشتياق إلى أن يفسد أيًا من أيام الشهر الكريم، فبداخله إحساس يجبره على ذلك.

فقط أفرط فى الخروج وتفويت الصلوات وهجر القرآن وأصبح شخصًا لم يكن يتخيل أبدًا أن يصادقه يومًا ما, بداخله شعور المرتعب من كيف سأمضى الشهر؟ وكيف سأحافظ على نفسى دون انحراف؟ وكيف أشغل نفسى بأشياء تنسينى كل هذا؟ فالعمل والدراسة معًا لن يكونا كافيين لقضاء شهرٍ من الوقت، فهو يعمل ويدرس ويخرج مع أصدقائه ويواعد حبيبته، ويذهب إلى النادى الرياضى كل يوم، ومازال لديه وقت فراغ، فما الذي سيحل محل كل هذا يا تُرى؟

يبحث الشاب عن شراء بعض الألعاب الإلكترونية والمشاركة فى دروس السباحة أو المشاركة فى مسابقات البلياردو التى تقام كل أسبوع أو عمل جدول لقراءة القرآن الكريم، وكتابة القصص، وربما متابعة بعض المسلسلات التى ستساعده فى انقضاء الوقت، كل هذه الاستعدادات ليست كرهًا للجو الروحاني خلال الشهر الكريم، وإنما لأنه تعود غير ذلك خلال العام.

فلن يكون باستطاعته مقابلة كل أصدقائه أو الخروج معهم كما تعود، خاصة وأن رمضان سيأتى خلال الصيف، فالحر شديد وكل النساء والفتيات يلبسن القصير والخفيف بلا استثناء، فهذه عاداتهن وطريقتهن للترحيب بالصيف، ولا يمكنهن الذهاب لأي مكان مفتوح خلال النهار. يفرح كثيرًا عندما يسمع بأن أحد أصدقائه سيعود للوطن لقضاء رمضان مع الأهل، يتمنى لو كان بإمكانه فعل المثل أيضًا، لكن بلده بعيد، وقد جرت العادة أن يعود للبيت مرة بعد كل عامين، فما يجمعه من المال لا يكفى لشراء تذاكر طيران وهدايا كل عام بحكم أنه من بلدٍ بعيد.

ينتظر محاولًا السيطرة على فكرِه الشارِد دائمًا، مُتطلعًا ومُتمنيًا أن يوفقه الله لنشاطٍ ما يبقيه مع أصدقائه ولا يفسد أجواء الشهر الفضيل المنتظر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد