يقول المثل الإنجليزي: إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان فأعطه مالًا أو سلطة.

يبدو أن ظاهرة وعاظ البلاط قديمة؛ حيث امتازت بكون الوعاظ يلتفُّون حول بعض الخلفاء والحكّام ويُباركون أعمالهم، من شِراء الجواري، والإغداق على الشُّعراء، والمعازف التافهة بعشرات الآلاف من الدراهم والدنانير في ذلك الوقت. ومن أمثال هؤلاء الحكام: يزيد بن معاوية، هارون الرشيد، القاهر، المعتضد، المقتدر، المستعصم بالله (الذي سلّم بغداد لهولاكو)، وغيرهم كثير.. وبينما هم يفعلون ذلك، يستنزلون غضب الله وعقابه في مواعظهم على الفقراء وعامَّة الشعب.

فإذا اشترى أحد الحكام جارية بمائة ألف دينار فإنه يستطيع على أية حال أن يبرهن للناس بأن شراء الجارية فيه صلاح للمسلمين؛ ذلك لأن الجارية سوف تسعد أميرهم، وفي سعادة أمير المؤمنين سعادة للمؤمنين أنفسهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله عزيزًا حكيمًا.

فإذا تحرَّش غلام بامرأة في الطريق أقاموا عليه الدنيا وأقعدوها، أمَّا إذا اشترى الحاكم وحاشيته مئات الجواري وأشبعهن تحرُّشًا، كان ذلك عليه حلالًا طيبًا. وإذا خرج الطاغية عن تعاليم الدين قالو عنه: إنه مجتهد، ومن أخطأ في اجتهاده فله حسنة. أما إذا أدلى الفقير برأي جديد قالوا عنه: إنه زنديق، وأمروا بسجنه أو إعدامه.

يرى بعض الوعاظ في هذا العصر أنّ الدين يدعو الشعوب إلى الخُضوع والاستسلام لحكامهم الظالمين، وعدم النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، بدعوى عدم تفريق جماعة المسلمين. وهذا الرأي ينطبق على الوعاظ المستأجرين الذين يستخدمهم الطغاة.

وقد تختلط الأمور لدى الواعظ، فيصدق نفسه ويكيّف القرآن والحديث بحسب هواه، ومثال ذلك حين اعتبر الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، عبد الرحمن السديس، أن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يقودان العالم نحو السلم والاستقرار. طبعًا نحن لا نشك في نيته الإصلاح والسلام، فالله وحده يعلم النية، ولكن نحن أيضًا لا نشك في القرآن (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).. ولا نشك في المشروع الصهيوني للقضاء على الإسلام (بروتوكولات حكماء صهيون).

هكذا، فإن البلاء يعمُّ حين يحفُّ بالحاكم مرتزقة من رجال الدين. فهؤلاء يجعلونه ظل الله في أرضه، ويأتون بالآيات والأحاديث لتؤيده في قراراته الخبيثة.

كلُّ حاكم محاط بحاشيةٍ من الوعاظ تحجب الناس عنه. وهو قد يخادعُ نفسه فيظنّ أنه حكيمٌ وعادل، ولكنه لا يستطيع رغم ذلك أن يفهم عن حقائِق المجتمع أكثر ممَّا يستسيغه إطارُه الفكري الذي صنعه له فقهاؤه وعلماؤه. والواقع أن الحكم الظالم لا يستتب بقوة السيف وحدها، إنه يحتاج إلى القصائد والفتاوى والكتب والمواعظ لذلك.

يروى أنَّ الخليفة سليمان بن عبد الملك كان يتنزه ذات يوم في بادية فسمع صوتا يغني من بعيد، وكان الصوت رخيمًا مطربًا، فغضب الخليفة منه؛ إذ اعتبره خطرًا على عفاف النساء، وسببًا من أسباب إغرائهن وإفسادهن؛ فاستفتى في أمر بخصاء المغني، وقد خصي المسكين فعلًا!

فهؤلاء الوعاظ يتركون الطغاة والمترفين يفعلون ما يشاؤون، ويصبُّون جلَّ اهتمامهم على الفقراء من الناس، فيبحثون عن زلاتهم، وينغِّصون عليهم عيشهم، وينذرونهم بالويل والثُّبور في الدنيا والآخرة.

يقول الدكتور علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين): ويخيل لي أن الطغاة وجدوا في الواعظين خير معوان لهم على إلهاء رعاياهم وتخديرهم، فقد انشغل الناس بالوعظ بعضهم بعضًا، فنسوا بذلك ما حل بهم على أيدي الطغاة من ظلم. وعن طريق الوعاظ يستريح الطغاة؛ بحيث يلصقون تهمة الظّلم ويحملون مسؤوليته كاملة لذلك البائس المسكين الذي يركض وراء لقمة العيش صباحا مساء؛ فيهددونه بالويل وبالنار.

إن مشكلة وعاظ البلاط في العالم العربي، حتى ولو كانوا من أشهرِ المشايخ، أنّهم يأخذون جانب الحاكم ويحاربون المحكوم، فتجدهم يعترفون بنقائص الطبيعة البشرية حين يستعرضون أعمال الحكام. فإذا ظلَمَ الحاكم رعيته، أو ألقى بها في مهاوي السُّوء، قالوا: إنه اجتهد فأخطأ، وكلُّ إنسان يخطئ، والعصمة لله وحده.

أما حين يستعرضون أعمال المحكومين فتراهم يرعدون ويزمجرون وينذرونهم بعقاب الله الذي لا مرد له، وينسبون إليهم سبب كل بلاء ينزل بهم.

يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام): إنَّ الفقهاء قد برعوا في ما يسمونه (الحيل الشرعية)؛ فهم يستطيعون أن يجدوا مسوغًا شرعيًا لكل عمل مهما كان دنيئًا. والسلطان الظَّالم لا يعمل عملًا إلا بعد أن يجمع الفقهاء ويعرض عليهم الأمر. وهم ينظرون حينذاك إلى السُّلطان، فإذا وجدوه مصمِّما على ذلك العمل أسرعوا إلى ما في جعبتهم من الآيات والأحاديث المتناقضة فينفضونها أمامه ليختار منها ما يلائمه، والله غفور رحيم.

وكثيرًا ما يكون الحاكم ظالمًا، وهو لا يدري أنه ظالم. إنه يجد لنفسه عذرًا في جميع ما يفعل. فالحاكم يشعر من جراء المتزلفين له بأنه خليفة الله في الأرض حقًا، له الأمر وعلى رعاياه الطاعة. فإن عصوا فهم زنادقة وخوارج يلعنهم الله ويعنهم اللاَّعنون!

وبما أنَّ الثورة غالبًا ما تنشأ من فجوةٍ بين الحاكم والمحكوم، أي بين نظامين متعاكِسين في القيم، بين نظام مترف وآخر بائس وفقير، فلا يجب أن يأمن الحاكم المستبد بالوضع، لأنه قد ينفجر في أية لحظة، وهذا ما حصل عبر التاريخ ويحصُل الآن!

قد يحدث في بعض الأحيان أن يتقدم بين يدي السلطان واعظ من الطراز الرفيع غير المتزلف، وكثيرًا ما يتهم مثل هذا الواعظ النابي بالزندقة، وأنه يريد تفريق جماعة المسلمين، ثم يأمر الحاكم بسجنه أو قتله، وطبعًا يؤيده في ذلك من حوله من وعاظ البلاط، مثل ما حدث مع الشيخ سلمان العودة، الشيخ علي العمري، محمد موسى الشريف، علي عمر بادحدح.. وغيرهم من القابعين في السجون إلى يومنا هذا؛ بسبب آرائهم الفقهية والسياسية، أو بالأحرى (نهيهم عن المنكر).

والأخطر في الموضوع هو أنَّ هؤلاء الوعاظ يفتنون الناس بمواقفهم وفتاويهم، وسيتحمَّلون أوزارهم كاملة يوم القيامة، وهو ما يتجسّد في الآية التالية: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).. كما يقول إبراهيم بن عمر السكران في كتابه (رقائق القرآن): وكم من منتسب للمشيخة مكّنه التغريبيون من فضائياتهم، ليوفر لهم لغة شرعية مشحونة بمضامين غير شرعية، فانخدع به ملايين من العامة، وثقوا في لحيته وعباءته ولحنه بألفاظ تشبه ألفاظ المشايخ، فصار يدفع باتجاه توهين التدين في نفوس الناس، وأوقعهم في شذوذات فقهية وشبهات عقدية كانوا في سلامة منها!

ووالله لو جلس الإنسان مع نفسه جلسة محاسبة بصدق، وأخذ يتذكّر ماضيه وخطاياه، لأدرك أنها كافية أن تكبّه في النار، فكيف إذا حمل فوقَ ظهره معاصي أشخاص آخرين لا يعرفهم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد