تلك هي طبيعة هذه الدعوة الربانية إذا أراد حاملوها أن يكونوا أداة تغيير فاعلة في المجتمع، وذلك هو المعيار الذي يجب أن تختار به الجماعة من يقومون على تربية أبنائها، وهذا هو المناخ الذي يجب أن يسود أروقتها الإدارية ولجانها التنظيمية، إنها الربانية التي تجعل القلب موصولًا بالله، ليس له غاية إلا رضا الله، وليس له هدف إلا التمكين لدين الله وإسعاد العالمين بشرعة الله.

إنه عمق الإيمان لدى الداعية وصفاء روحه من الشوائب التي تحول بينها وبين الشفافية وحسن الصلة بالله، فتراه إنسانًا سمحًا واسع الصدر يسع قلبه الجميع، ملأ قلبه الحب للناس وحب الخير لهم، يبذل لهم من الاحترام والتقدير والاهتمام ما يأسر به قلوبهم ويظفر بحبهم، فلا يملون حديثه ولا يتحملون ابتعاده ولا يملكون مخالفته طاعة وثقة واحترامًا دون إكراه منه أو تسلط أو خداع أو تمويه، ولكنه الحب ومهارة التواصل.

لن يؤثر في الناس أبدًا كثير الرواية فصيح اللسان فارس المنابر عليل القلب سيء الحال مع الله، ولكن يؤثر فيهم سليم القلب حسن الحال وإن كان دون غيره علمًا ورواية، ويقينًا كان هذا هو سبب نجاح مؤسس الدعوة حسن البنا، الرجل القرآني كما وصفه متابعوه، فالتف الناس حوله وحول دعوته، وحقق نجاحًا ربما لم يحققه كثيرون ممن سبقوه ولا ممن عاصروه من المصلحين، إنه الإخلاص وصدق الإيمان وصلاح الطوية وحسن الحال مع الله.

يروي الأستاذ عمر التلمساني قصة له مع هذا الرجل القرآني بعد رحلة دعوية قضياها سويًا في أحد الأيام متنقلين بين القرى حتى رجعا إلى مبيتهما ليلًا وقد بلغ التعب منهما مبلغه، واستلقى كل منهما على فراشه لينال قسطه من الراحة، فيقول الأستاذ عمر التلمساني: فإذا بالإمام حسن البنا يناديني: هل نمت يا عمر؟ فقلت له لا، وبعد فترة أعاد على السؤال مرتين حتى عزمت على ألا أرد عليه لأنام، فظن أنني نمت، وإذا بي أراه يمشي على أطراف أصابعه ليغادر الحجرة، فيتوضأ ويصلي لله ما شاء الله له أن يصلي!

فقلت في نفسي: الآن عرفت سر نجاح هذا الداعية.

نعم إن المصلح يؤثر في الناس بحاله قبل مقاله، ولن يقدر له النجاح حتى يصلح من نفسه أولًا ما يدعو الناس إلى إصلاحه من أنفسهم، ولو انشغل بإصلاح الناس عن إصلاح نفسه فذلك هو الجهل بعينه، وأبدًا لن يؤثر فيهم، فالإناء الفارغ لا يفيض على ما حوله.

أراني أتذكر تلك القصة النموذج التي تحكي عن عالمين أحدهما عالم دين والآخر عالم لغة، لكل منهما حلقة في المسجد يجتمع لهما الناس، ولكن عالم اللغة الفصيح ذا البيان الساحر لاحظ أن عدد رواد عالم الدين أكثر بكثير من عدد رواده، فعزم أن يحضر إليه ليرى سر اجتماع الناس عليه!، فوجده يتكلم كلامًا طيبًا إلا إنه لا يرفع المرفوع ولا ينصب المنصوب ولا يجزم المجزوم، فساءه ذلك كثيرًا وقام لينفض عنه!، فاستوقفه عالم الدين وقال له: حنانيك يا أخي، أأحزنك أني لم أرفع المرفوع ولم أنصب المنصوب ولم أجزم المجزوم؟!

ألم تر أني أرفع يدَيّ بالضراعة إلى الله، وأنصب على طاعة الله، وأجزم عن محارم الله!، فإن الله إذا سألني يوم القيامة لن يقول لي:لم تكن معربًا، ولكن سيقول لي:لم كنت مذنبًا؟!

هكذا يجب أن يكون الدعاة إذا أرادوا التأثير والتغيير.

وهكذا يجب أن تختار الجماعة من يقومون على التربية، أن تختار حسن الحال لا حسن التنظير.

وهكذا يجب أن تكون اللقاءات الإدارية للجماعة بحيث تغلب عليها الربانية وروح الأخوة لا الحزبية، حيث لا ترى إلا الغلظة والأنانية والانتصار للرأي حتى ولو بخسارة القلوب!

والله نسأل أن يؤلف بين قلوبنا وأن يصلح ذات بيننا وألا يجعل للشيطان مكانًا بيننا وأن يفتح لنا قلوب العباد والبلاد وأن يأذن لشرعته أن تحكم الأرض وأن تسود، إنه على ما يشاء قدير وهو بالإجابة جدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!