في مثل هذه المواعيد من كل سنة تكثر تنبؤات المنجمين وتملأ القنوات الفضائية العربية والعالمية تمهيدًا لدخول السنة الجديدة التي لن تختلف واقعيًّا عن سابقاتها إلا في تحول الرقم من الصفر إلى الواحد بعد رقم اثنين. أما الوقائع ففي حقيقتها امتداد لما وقع ويقع خلال السنة السابقة، فالتاريخ في صيرورة دائمة لا تتوقف ولا تغيره أوهام المتنبئين. وهو مسار متواصل من الأحداث التي قد تكون في أصلها نتيجة لوقائع قد مر عليها عشرات السنين بل أحيانًا مئات وآلاف السنوات، فالصراع بين الشرق والغرب ليس وليد اليوم بل هو نتيجة لآلاف السنوات من العلاقات القائمة على الهيمنة ولن يغير تنبؤ المتنبئين من ذلك شيئًا، بل إن بعضهم ليس إلا أدوات مخابراتية لتبرير الشروع في حرب أهلية هنا، أو اغتيال ما هناك، أو ديمومة حكم مستبد ما بجعله أمرًا قدريًّا تباركه العناية الإلهية فيصبح كل خروج على ظلمه جالبًا لغضب الرب وسخطه ولكل مصائب الكون على ذلك الشعب.

هناك فرق بين الاستشراف والتنجيم. فالاستشراف يحاول بناء على معطيات واقعية حقيقية وفعلية لمجتمع ما وضع احتمالات محتملة الحدوث، كما يهتم بدراسة المتغيرات التي تؤدى إلى حدوث هذه الاحتمالات وتحقيقها؛ فعلم المستقبل يهدف إلى رسم صور تقريبية محتملة للمستقبل بقدر المستطاع (الدراسات المستقبلية (نشأتها- مفهومها- أهميتها) محمد نصحي) إنه التفكير الاستراتيجي بما سيكون عليه الحال في الغد حتى تتخذ المجتمعات ما تراه مناسبًا لتحقيق أهدافها أو تغيير مصيرها القاتم الناتج من إدارتها السيئة لواقعها الحاضر. فالاستشراف دراسة لمعطيات الواقع والنظر فيما يمكن أن يحدث لو واصل المجتمع المدروس في النهج نفسه في إدارة شؤونه اليومية الحاضرة. أما التنجيم (يختلف عن التنبؤ الذي قد يلتقي أحيانًا
مع مفهوم الاستشراف وقد يرتبط بالعلم أيضًا) فهو مجرد أوهام خيالية لا قيمة علمية لها، وليست إلا عملية مشهدية لجلب الجمهور أو لبيع مجلة أو جريدة ما، عبر إيهام العامة من الناس بأن قراءة برجك اليوم سيكون طالع خير أو شر؛ مما يحول الحياة لرهينة لتلك التوقعات اليومية الوهمية. فالتنجيم من العلوم الزائفة والخرافات، كالخيمياء التي تريد تحويل المعادن إلى ذهب وصنع إكسير الحياة الذي يحول الشيخ لشاب والعجوز لصبية.

سأكتب بعض التنبؤات للسنة الجديدة وأتوقع لها ألا تحدث إطلاقًا:

مع بداية السنة الجديدة، ستشهد تونس تحركات شعبية كبيرة تدعو للعودة للعمل والإنتاج ورفع كل أشكال الإضرابات التي تعطل الإنتاج في أهم مناجم وحقول الطاقة ورفع الإنتاجية في المؤسسات الاقتصادية، وسيتبرع الجميع وأولهم رجال الأعمال والمسؤولين السياسيين في الرئاسة والحكومة ومجلس النواب والنقابات والأحزاب بشهر عمل وعشرات المليارات؛ لدعم الاستثمار والبنية التحتية تحقيقًا لرفاه الشعب التونسي الذي سيشهد قفزة نوعية في دخله خلال السنة الجديدة.

– سيعود مجلس النواب التونسي لدوره الحقيقي، وسيلتف النواب بعضهم حول بعض، وستشهد تونس مصالحة تاريخية بين عبير موسى ورئيس البرلمان راشد الغنوشي. وسنشهد صحوة في الخطاب السياسي والإعلامي وعودة قوية للقيم الأخلاقية في الحياة السياسية والعامة.

– سيعلن رئيس الدولة التونسية حربًا شاملة على الفساد، تبدأ من محيطه وتشمل مسؤولين سامين ووزراء فاسدين، وتطهير سلك الأمن والجمارك واسترجاع أموال الدولة من رجال الأعمال الفاسدين، وتطهير البلاد من مافيات الفساد.

– ستصبح تونس سويسرا الغرب العربي.

– في السنة الجديدة ستتحقق المصالحة الخليجية الشاملة، وسيشهد مجلس التعاون إعلان الوحدة والاندماج الاقتصادي والسياسي بين دوله المختلفة، وستزول كل الحدود، وسيجري الإعلان عن مجلس رئاسة بالتداول كل سنة بين كافة الحكام.

– ستشهد السنة الجديدة نهاية الحرب الأهلية في اليمن وليبيا وقيام انتخابات يختار فيها الشعبان اليمني والليبي حكامهم الجدد دون وصاية من أحد، وبمباركة من كل الدول الغربية والعربية. وستتشكل حكومات وطنية تتمكن خلال السنة كاملة من إزالة كافة آثار الحرب والقيام بالتعمير بدعم كامل من كافة الدول الغربية والعربية والإسلامية.

– في منتصف السنة، وخلال شهر رمضان، ستعقد قمة عربية في مكة يعلظ خلالها قيام اتحاد الدول العربية وحل الجامعة، ويعلن توحيد كافة الجيوش العربية تحت قيادة واحدة، وكذلك توحيد كافة المؤسسات التعليمية والجامعية تحت مظلة عربية واحدة لتحقيق مجتمع المعرفة، وسيشكل مجلس رئاسة بالتداول بين شرق الأمة وغربها، وستزول كافة الحدود ويسمح بالحرية الكاملة في التنقل للسلع والعمال، وتصبح الأولوية في العمل للعمال العرب، وترصد ميزانية كبيرة لتحسين مستوى العيش في كافة الدول العربية بهدف تحقيق رفاه شامل للعرب في حدود سنة 2040.

– ستكون السنة الجديدة سنة الوحدة والمصالحة، ولن يشهد العالم العربي أية محاولة اغتيال أو تحريض على حرب أهلية هنا أو هناك، وسيصبح العربي يتغدى في الرباط ويتعشى في بغداد، وستشهد الأمة صحوة ثقافية وعلمية تذكرنا بأمجاد بين الحكمة.

– ستعلن مصالحة تاريخية بين الشيعة والسنة وتزول كل الخلافات بينهما، وكذلك بين اليسار واليمين والقوميين والإسلاميين، ويتوحد الجميع حول المصلحة المشتركة للمجتمعات العربية والإسلامية، ونشهد إلغاء التأشيرات بين العرب وإيران وتركيا.

– ستعود القضية الفلسطينية إلى صدارة الأحداث، وسيجبر الاتحاد العربي إسرائيل على قبول حل الدولتين وقبل نهاية العام يعلن عن قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، وستشهد احتفال العرب جميعًا بالعام التالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد