فاجعة حلَّتْ بولاية الجلفة -جنوب العاصمة الجزائرية- حين رفضت ثلاثةُ مستشفيات استقبالَ امرأة حامل في السنة الـرابعة والعشرين من عمرها، بصحبة زوجها الذي لم يتعدَّ سِنُّهُ الـثلاثين عامًا، هذه المستشفيات هي «مستشفى عين وسَّارة» حيث مدينة الضحية، ثم مستشفى مدينة «حاسي بحبح» وأخيرًا مستشفى مدينة الجلفة الذي يتمتع بطاقم طبي وأجهزة علاجية وطبية حديثة، ولكن الأمر الذي غاب في هذه المأساة على ما يبدو هو العامل الأخلاقي ومحاسبة الضمير، فالقضية لا تحتاج إلى صرف مبالغ مالية لاستقبال المرأة الحامل ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من إجراءات اعتيادية مع كل حالة من حالات الحمل اليومية التي تستقبلها المستشفيات والعيادات الطبية عبر أنحاء الوطن.

دعونا نلمس مكمن الداء بكل صراحة، فالمرأة توفِّيَتْ وهي في حكم الشهيدة عند خالقها وبارئها حيث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في تعداد أنواع الشهداء: «والمرأة يقتلها ولدها شهيدة»، وفي حديث آخر: «والمرأة تموت بجُمَعٍ»، أي: تموت بسبب الولادة، فرحمة الله على هذه المرأة وتقبَّلها في الشهداء مع الأنبياء والصالحين.

أما زوجها وأهل بيتها فألْهَمَهُمْ اللهُ الصبر والسُّلوان، وتبقى الصدمة عند أصحاب الضمير فماذا سنفعل نحن الذي نزعم أننا ندافع عن كرامة الإنسان؟ ثم أين جوهر المعضلة التي تتسبَّبُ في مثل هذه الفاجعة الأليمة؟ لقد تنقلت الصحافة إلى مستشفى مدينة «عين وسارة» وسألوا الممرضين والممرضات فأخبروهم أن الأمر تكرر سبع مرات خلال الأشهر السبعة الأخيرة، يعني أن هناك سبع نساء حوامل تُوُفِّينَ بسبب أن المستشفى لم يستقبِلْهُنَّ (حسب ما ذكرته جريدة «الخبر اليومية» في عددها رقم «8580» الصادر يوم الأربعاء 26 جويلية 2017).

من الذي أمر بعدم استقبال هذه الحالات؟ أو من المسؤول الذي يتجرأ على إعطاء مثل هذه الأوامر؟ يعني بعبارة أخرى: هل يمكن لنا أن نصدق وجود مؤامرة من السلطات العليا لرفض استقبال وعلاج النساء الحوامل؟ إلى درجة أن يتكرر الرفض في يومٍ واحدٍ بين 3 مستشفيات في مدنٍ مختلفة؟ لقد قطع الرجل الفقير مع زوجته مسافة أكثر من 100 كيلومتر وهي في حالة مَرَضيَّةٍ تعاني من الآلام التي تسبق الولادة، والموظَّفون المكلَّفون باستقبال الحوامل في ثلاث مستشفيات يرفضون هذه المرأة المسكينة ولا يقبلون أن يعالجوها ويتابعوا حالتها ويرفضون العناية بها حتى الولادة، إذَن يجب أن نتساءل ونحنُ نسمع هذه الأخبار  ونقرأ هذه الأنباء: ألم يتحرك الضمير الإنساني ويتجاوز العراقيل التي قد تمنع إدخال المرأة إلى المستشفى؟ ألم يكن هناك وازعٌ دينيٌّ في قلوب هؤلاء الموظَّفين يأمرهم بخدمة تلك الحامل المسكينة؟ ألم يشعروا بأنه في يومٍ من الأيام قد تكون أخواتهم أو زوجاتهم في مكان تلك المرأة الشهيدة ويُمنعْنَ من دخول المستشفى فيلْحَقُهُنَّ المرض والألم حتى تأخذَهنَّ الوفاة على تلك الحال؟ هل يحتاج هؤلاء الموظَّفون إلى تذكير ووعْظٍ بأهمية وخطورة هذه الحالة حتى يقوموا بواجبهم الذي يتقاضَوْن عليه رواتبهم؟ ألا يعلمون أنهم مسؤولون أمام الله وأمام أنفسهم وضمائرهم إن كان لهم ضمائر تؤنِّبهم على جريمتهم الأخلاقية والوظيفية تلك؟

ليس لدي الكثيرُ لأقوله؛ فالصدمة تجعلني مشدوهًا لعِظَم هذا الجُرْم وحقارة هذه الإنسان حين يفقد إنسانيَّتَه، هذا المشهد يجعلك تتيقن أن السلطة الفاسدة لا تحتاج بروباغاندا كثيرةً حين يكون قطاع عريض من الطبقات الشعبية تمارس الفساد بعناية، والأخطر من ذلك حين يكون هذا القطاع هو أهمَّ القطاعات التي يحتاج أصحابها إلى درجة عالية من الأخلاق وكرم النفوس ومزيد من الشجاعة والجرأة لتحدِّي أيِّ قانون أو عقبة من شأنها أن تقف حائلًا في وجه الحالات الإنسانية، حين تتساقط القيم المجتمعية فلا حاجة للحاكم الفاسد في أن يخسر كثيرًا من المال والوقت لتسويغ حُكْمِهِ وسيطرته، فالشعب -حقًّا- سندٌ قويٌّ للطغيان وأكبر داعم للفساد والديكتاتورية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد