لم تكن التغطية الإعلامية التي رافقت إعلان رئيسة الوزراء الدكتورة نادرة ناصيف من أوديسا بأوكرانيا، تأسيس مملكة الجبل الأصفر، مجرد سيرك إعلامي، بل حدث له سياقاته الجيوسياسية التي لها تأثير الدومينو على المنطقة العربية ككل. وهذا التأثير يجد سنده في مرامي صفقة القرن حسب رأي محور الممانعة، في حين يرى أخرون أن إيجاد المملكة الجديدة برؤيتها وأهدافها المعلنة يشكل حلًا إنسانيًا للعديد من النازحين وعديمي الجنسية ومظلومي الأرض والوطن. فما هو الوضع القانوني لمملكة الجبل الأصفر؟ ما هو السياق العام للإعلان عن المملكة؟ ما ماَل هذا التأسيس؟ ما التخوفات التي يثيرها؟

أعلنت رئيسة الوزراء يوم 5 سبتمبر (أيلول) الجاري، عبر محتوى مرئي، تم بثه من مدينة أوديسا بأوكرانيا عن تأسيس مملكة الجبل الأصفر، وذلك عقب اجتماع عقده الوزراء مع الملك بأوكرانيا، دون الإفصاح عن اسم الملك، لكن في تدوينة مصغرة لرئيسة الوزراء عبر حسابها الرسمي، صرحت أن عددًا من أعضاء الدولة سيعقدون مؤتمر ومنتدى مع الصحافة العالمية، لتحديد الخطوط العريضة وتقديم الرؤية الشاملة للمملكة وطرح كافة الملفات المتعلقة بها، في أفق وضع الحجر الأساس لها وبدء استقبال مواطني مملكة الجبل الأصفر بدءًا من فاتح سنة 2020 د.

1- الوضع الجغرافي والقانوني لمملكة الجبل الأصفر

تم تأسيس المملكة في منطقة تسمى بير الطويل، الذي يحده شمالًا جمهورية مصر ومن الجنوب السودان، على مساحة تبلغ حوالي 2060 كيلومتر مربع، وهي مساحة تعادل تقريبًا مساحة الكويت، وثلاثة أضعاف مساحة البحرين، ذات تضاريس صحراوية، لا تتوفر على اَية واجهة بحرية، لكن المياه تتمركز بمنطقة وادي طويل ووادي عمر بالخصوص، لكن الطبيعة لم تكن سخية كفاية؛ مما سيفقد الاقتصاد المحلي، الاستفادة من عوائد الفلاحة والصيد البحري بالخصوص. وستعتمد الإستراتجية الإقتصادية على الصناعات التحويلية والطاقة البديلة والسياحة والمصارف والتجارة والخدمات حسب الرؤية الاقتصادية 2030 للمملكة وبرنامج التنمية المستدامة.

يعتبر بير الطويل قانونًا أرضًا مباحة، لا تخضع لسيادة اَية دولة ولا تطالب بها، حيث سطرت مصر حدودها الجنوبية بموجب اتفاقية 1899 مع بريطانيا على خط 22، وهو ما يضع مثلث حلايب داخل الاراضي المصرية، ومنطقة بئر الطويل داخل الحدود السودانية. بينما تطالب السودان باتفاقية الحدود لسنة 1902 التي تضع مثلث حلايب داخل الحدود السودانية، وتضع بير الطويل داخل الحدود المصرية. حيث إن النزاع بين مصر والسودان يقع حول مثلث حلايب وهي منظقة شاسعة مطلة على البحر الأحمر ولا تتاخم منطقة بئر الطويل، بينما ينفي كلا البلدين أية سيادة أو رابطة قانونية لهما على منطقة بئر الطويل، لتبقى أرضا مباحة في القانون الدولي.

يتطلب تأسيس دولة جديدة من منظور القانون الدولي التوفر على أربعة أركان وهي:

-الإقليم: حيث لم يحدد القانون مساحة معينة، والحال أن مساحة المملكة الجديدة تبلغ حوالي 2060 كيلومتر مربع، في حين تبلغ مساحة سنغافورة مثلًا 721,6 كيلومتر مربع فقط.

-الشعب: المملكة تسعى للحد من أزمة المهاجرين والنازحين وعديمي الجنسية ومكتومي القيد لتكون دولة نموذجية وموطنًا للاجئين والمشردين لتوفير كامل حقوق المواطنة والعيش الكريم لهم حيث يبلغ عدد عديمي الجنسية في الكويت وحدها حوالي مئة ألف وتعود معاناتهم لأزيد من 50 سنة. ويصل عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا حسب البلد أو الإقليم في يناير (كانون الثاني) 2015 ما مجموعه 51 مليون لاجئ و49 ألف و742 لاجئ.

– حكومة ذات سيادة: جاء في المادة السابعة والثمانين، الباب الحادي عشر، المُعنون بدستور مملكة الجبل الأصفر، أن مملكة الجبل الأصفر تشمل الأراضي والمياه والطبقات الجوية الخاضعة لسيادتها كما تشمل المركبات والسفن والطائرات التي تحمل علمها، ما يمكن اعتباره سندًا قانونيًا لتجاوز فرضية اعتبار المملكة دولة تابعة أو دولة دمية بمفهوم العلوم السياسية.

-الاعتراف الدولي: الحصول على اعتراف دولي يعتبر بوابة للحصول على الشرعية في المجتمع الدولي، ويبقى اعترافًا سياسيًا لا يلزم دول العالم بأكملها للاعتراف بالدولة الجديدة. ومن أجل الإيفاء بالمعايير المنصوص عليها في اتفاقية مونتيفيديو لسنة 1933 المحددة لحقوق وواجبات الدول، وضعت مملكة الجبل الأصفر وثيقة «الرؤية والأهداف»، وللحصول على الطابع الرسمي كعضو كامل في منظومة المجتمع الدولي يتوجب تقديم طلب الإنضمام إلى هيئة الأمم المتحدة، التي تتخد القرار في الجمعية العامة بأغلبية الثلثين بعد توصي مجلس الأمن بقبول الطلب.

2- السياق العام لإعلان التأسيس وماَلاته 

جاء الإعلان عن تأسيس المملكة من على أراضي أوكراينا، حاملًا دلالات سياسية عدة، تنم عن استقلالية في اتخاذ المواقف والقرارات، اعتبارًا للدور السياسي الواضح لأوكرانيا في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي. فرئيسة الوزراء نادرة ناصيف تحمل الجنسية الأمريكية كعدد من الأعضاء الآخرين، حيث كان من شأن إعلان المملكة على أراضي العم سام وصفها بالمؤامرة، واعتبارها امتدادا لأجندات خليفة حفتر وفتح الله غولن.. لكن أوكرانيا أضحت لاعبًا أساسيًا في رقعة شطرنج االشرق الأوسط، وقد عززت مؤخرًا علاقاتها مع الأردن والمملكة السعودية وقطر ودول أخرى؛ ما يعني أن لأوكرانيا أولوياتها الاستراتجية في منطقة الشرق الأوسط في الافق القريب والبعيد.

اتخذ شكل الحكم ملكية لم يحدد نوعها، هل ستكون ملكية مطلقة أم ملكية برلمانية، كما يطرح السؤال حول شخص ونسب الملك، ولماذا تم اعتماد ملكية وليس جمهورية؟

مع الإشارة في الدستور إلى أنه يتم انتخاب أعضاء الحكومة مثل أعضاء مجلس الشيوخ والمجالس البلدية والغرف التجارية.. لكن ملامح الحكم الملكي ستتسم بالطابع الإسلامي، اعتبارًا لكون الدستور مبنيًا على الشريعة الإسلامية، كما أن نظام الجنسية حسب المادة السادسة من اللائحة التنفيذية لنظام الجنسية ينص على أنه يجب على المتقدم لطلب الجنسية أن يكون مسلمًا وليس من أصحاب الفكر الشيوعي أو الإشتراكي أو النازي أو الفكر المتطرف التدميري. وتبعًا لذلك يكون الدستور قد حدد أن دين الدولة هو الإسلام مع رفض بعض الإيديولوجيات كالشيوعية أو نهج التطرف، وهذا له قراءته الخاصة، التي تحيلنا مباشرة إلى اعتماد المملكة دين «نيو إسلام» ونهج الفكر الليبرالي اقتصاديًا، أما ثقافيًا فسيتم إعتماد التحرر الثقافي، لتتضح الرؤية جيدًا في المقبل من الأيام.

لم يصدر لحدود الساعة أي رد أو تنديد من قبل مصر أو السودان، ولم يبد أي أحد منهما خوفه من اختراق ناعم لحدوده، واعتبار ممكلة الجبل دولة حاجزة أو مركزًا استخباراتيًا جديدًا، والسبب في ذلك أن اعتراف السودان بهذه الأرض يعني ضمنيًا قبولها بحدود خط 22، وبالتالي ستخسر حلايب. أما مصر فتبدو مستفيدة من هذا المولود الجديد، الذي سيزيد معه الضغط على السودان للقبول باتفاقية 1899. من خلال الأزمة السياسية التي تعرفها السودان، والتي أضحى معها تقسيم السودان أمرًا وقعيًا، مع احتمال فشل تجربة الحكومة الانتقالية وعودة النزاع المسلح. فهل ستكون المملكة قادرة على تأمين حدودها البرية كاملة؟

تريد مملكة الجبل الأصفر من خلال دعايتها الشعبية المزيفة أن تسوق على هويتها الإسلامية من خلال كتابة البسملة على علمها الوطني، الذي سيكون ثاني علم وطني لا ينكس إلى جانب علم المملكة السعودية، كما أصدر الديوان الملكي لمملكة الجبل الأصفر أولى ردوده عن الأوضاع السياسية من خلال تأكيده على رفضه للسياسة التوسعية للكيان الإسرائلي الذي أعلن نيته ضم أراضي من الضفة الغربية إلى إسرائيل. وهذه ردود وبيانات صدرت عن أجهزة ودوائر رسمية مجهرية وافتراضية، لتعلن مجابهتها لأعتى القوى العسكرية والاستخبارية والسياسية والاقتصادية في العالم. ومن وجهة التحليل الموضوعي المعمق في العلوم السياسية والإستخباراتية خصوصًا، نجد أن هذه التصريحات المنددة بالاحتلال الإسرائلي والمؤيدة للقضية الفلسطينية ليست سوى سمّ في عسل لجس نبض الشعوب العربية لمدى قابليتها للانحياز للطرح المعلن عنه في أوديسا، واستمالة العرب للقبول بهذه المملكة وطلب المواطنة منها.

فحسب رأي محور الممانعة فهذا الإعلان هو امتداد لصفقة القرن، حيث سيتم توطين اللاجئين الفلسطنيين بنسبة كبيرة، وقد تكون المملكة بديلًا لسيناء في الشمال المصري، هذه الأخيرة نجدها في الفكر الصهيوني أرضًا إسرائيلية لا يمكن توطين سكان غزة أو اللاجئيين الفلسطنيين فيها. أما البِدون في الكويت فيحتمل أن لا تعترف الكويت بمملكة الجبل، وأن تتخذ إجراءات قانونية للحيلولة دون حصول البدون على الجنسية من المملكة الجديدة. وما يؤكد ارتباط إعلان تأسيس المملكة بصفقة القرن، التنظيم والاعداد الكامل، حيث إن التخطيط تم منذ مدة طويلة، ولولا الدعم المسبق من الدول ورؤوس الأموال لما وضع مؤسسو المملكة حيزًا زمنيًا ضيقًا لا يتجاوز ثلاثة أشهر لبدء استقبال المواطنين وتدشين المشاريع الضخمة.

صحيح أن التنزيل الفعلي لتأسيس المملكة أمر صعب في اللحظة الراهنة، لكن إذا كانت جزءا من صفقة القرن، فملايير الدولارات المرصودة لهذه الصفقة بإمكانها إنشاء جسر لكوكب آخر، وليس فقط إنشاء مشاريع وبنى تحتية على مساحة لا تتجاوز 3000 آلاف كيلومتر مربع.

فهل سنشهد ميلادًا حقيقيًا للمملكة؟ وهل تأسيسها سيكون دافعًا لاستقلال وانفصال مناطق أخرى في العالم العربي؟ هل يمكن أن نشهد دولة للأقباط في مصر والنوبة في السودان وغيرهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد