يقضي العديد من الأشخاص حياتهم في درب العشوائية في القرارات، الاختيارات أو حتى في استغلال أوقات الفراغ، ورغم ما لها من تأثيرات سلبية على حياة الفرد إلا أنها لا تتخطى حاجز الفرد إلى المجتمع، ولكن في الأنظمة السياسية وخصوصًا المستبدة يختلف الأمر بالكلية فهي من تسعى إلى العشوائية المخططة كي تساعد في توطيد حكمها الواهن وتقوية سلطتها المنعدمة إلا من الظلم.

فالأنظمة الاستبدادية تبارك حالة العبث التي تخلقها العشوائية في العوام والتي تدفع الشعب شيئًا فشيئًا إلى الإذعان لمطالبها بلا تردد أو مجرد تفكير؛ فالعشوائية المخططة تبث حالة من اللاوعي في النفوس تجعلها غير قادرة على إدراك ما يجري من حولها، كما أنها تقي المستبد خطر تتبع الشعب له ولظلمه ولحالة الاستعباد التي يعيشون فيها وتجعلهم مشغولين بالنتائج عاجزين عن تتبع الأسباب ومعالجتها. وأكثر آثارها شؤوما هي نزع الثقة من النفوس لأن كلًا منهم يعتقد أن الآخرين يقبلون بذلك الجنون.  

فالرهبان والقسوس كانوا يستغلون تلك الحالة جنبًا إلى جنب مع الاستبداد الديني لفرض السيطرة، وكانوا يصنعون في سبيل ذلك بابًا من الوهم هم حراسه، لا يسمح لأحد بالعبور إلى الجنة إلا إذا عظمهم وتذلل لهم وإلا فالمصائب وحلول العذاب المقيم؛ وهناك بعض شيوخ السلطان المنتسبون إلى الإسلام، ولكنهم أقل حظًا فهم يدعون إلى دعم المستبد وإعطائه القوة المطلقة بدلًا عن الدعوة لأنفسهم.

وقد كانت تلجأ إليه الكنيسة كأحد الوسائل في فرض السيطرة على الجميع  ففي عام 1632 تم الحكم على العالم  جاليليو بالسجن مدى الحياة، ثم خفف الحكم إلى فرض الإقامة الجبرية عليه، وذلك لإصداره كتاب بعنوان Dialogue Concerning the Two Chief World System ومن قبل دعمه للنظرية  التى تؤكد مركزية الشمس، وهو ما يخالف تفاسير الكتاب المقدس لمركزية الأرض، واستخدامهم بعض الآيات في دعم استعباد البيض للسود وتحليل العبودية، كما أنها كانت تتعامل مع الحيوانات تعاملها مع البشر ففي عام 1474 قدم للمحاكمة ديك بتهمة أنه باض بيضة وحكم عليه بالحرق كما كان يّحكم على السحرة والهراطقة. وفي القرن السادس عشر قدم للمحاكمة فئران بتهمة إفساد محصول الشعير.

أما حديثًا وإذا اختزلنا كلمة حديثًا في الحديث عن تلك الفترة العبثية التى نعيش فيها. فسنجد كل شيء يدفعنا إلى الجنون، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، تجد الرئيس في سبيل اكتساب سلطة دستورية يصنع إنتخابات – نتيجتها محسومة مسبقًا – مع خصوم من صنعه، وعادة تكون أول خطوة تلي ذلك هي الدعوة إلى تعديل الدستور، وتجد النواب البرلمانيين وبعض منظمات الدولة يدافعون دفاعا قويًا ليس من أجل الدفاع عن الأرض بل من أجل إثبات ملكيتها للغير كما في حالة تيران وصنافير المصريتين، ومحاكمة أشخاص بتهم، رغم العلم يقينًا لا يخالطه شك أنهم براء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وسترى لأول مرة سجن نصف اليوم – سجينًا بالليل في كشك خشبي غير آدمي ونهارًا يلفظ من الحرية أنفاس قبل ان يودعها ليلًا، بل وأشخاص يحاكمون بتهمة الأمل، وعدم السماح لمعارضين سياسين بحضور جنازة أهلهم ومن الأمثلة على ذلك الرئيس السابق محمد مرسي، وكابتن محمد محمد أبو تريكة، ومؤخرًا محمد رمضان وأخيرًا بيع الجنسية مقابل حفنة من الدولارات.

العشوائية المخططة تجعل عقول العوام في عيونهم فيبهرها بريق المستبد الزائف ويسلب وعيها فتمسي في حالة من الانقياد للمستبد بلا وعي ولا إدراك لما هم مقبلون عليه.

 وكما قال عبدالرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد  الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة للعامة فضلًا عن الأجسام فيفسدها كما يريد، ويتغلب على تلك الأذهان الضئيلة فيشوش فيها الحقائق، بل البديهيات كما يهوى، فيكون مثلهم في انقيادهم الأعمى للاستبداد ومقاومتهم للرشد والإرشاد، مثل تلك الهوام التي تترامى على النار، وكم هي تغالب من يريد حجزها على الهلاك. ولا غرابة في تأثري ضعف الأجسام على الضعف في العقول، فإن في المرضى وخفة عقولهم، وذوي العاهات ونقص إدراكهم، شاهدًا بينًا كافيًا يقاس عليه نقص عقول الأسراء البؤساء بالنسبة إلى الأحرار السعداء، كما يظهر الحال أيضًا بأقل فرق بين الفئتين من الفرق البين في قوة الأجسام وغزارة الدم واستحكام الصحة وجمال الهيئات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد