ما أن يقترب هلال رمضان إلا ويتساءل الناس عن كيفية الاستعداد له ومن ثم يبدأ الدعاة في إعداد الخطب والمحاضرات لتسير في هذا الاتجاه وتخدم هذا الهدف، وما أن يُذكر أمر الاستعداد لرمضان إلا وجدت العقول تتجه نحو ضرورة استعداد المسلم بكثرة القيام وقراءة القرآن وكثرة الصدقات وتعظيم أعمال البر والخير على اختلاف أنواعها، وبالرغم من أهمية هذا المعنى إلا أننا نواجه مشكلة مُتكررة في كل رمضان وهي حالة الانتكاسة التي تُصيب الناس بعد رمضان ومن ثم العودة إلى نقطة الصفر، فيعود الناس كما كانوا قبل رمضان: قليل من القيام قليل من قرارة القرآن قليل من أعمال البر والخير.

هذه الظاهرة المُتكررة تستوجب الوقوف أمامها لمعرفة الأسباب الحقيقية لسقوط أكثر الناس بعد رمضان، تجد أن هناك نوعًا آخر من الاستعداد يغفل الناس عنه وهو استعداد القلوب، إذ كيف يمكن تهيئة القلوب قبل رمضان لنضمن عدم حدوث الانتكاسة مرة أخرى بعد رمضان وكيف يمكن المداومة على نفس الحالة الإيمانية التي يتلقاها القلب في رمضان من خلال كثرة الطاعات وعبادات الجوارح.

أدرك هذا الإشكالية الشيخ حازم أبو إسماعيل وافترض أن لاعب الكرة الذي يخوض مباراة هامة عليه أن يُجري عملية إحماء ليستعيد لياقته البدنية حتى يستطيع خوض المباراة والاستمرار فيها على نفس المستوى من اللياقة البدنية، كذلك حال القلب قبل رمضان إذا لم يُجرِ عملية إحماء وتهيئة قبل رمضان ستقل همته التي دخل بها رمضان ومن ثم يشعر بالفتور والكسل في العبادة ثم تحدث الانتكاسة والسقوط.

معالجة هذا الأمر تكمن في برمجة القلب من خلال معرفة فلسفة عمله ومن ثم يسهُل التحكم فيه، إن القلب لا ينشغل بأمرين في آن واحد، إما أن يتعلق بالدنيا وإما أن يتعلق بالآخرة، وجرت سنة الله أن أغلب قلوب العباد مُتعلقة بالدنيا فترى صاحب هذا القلب يُفكر كثيرًا في الدنيا وما يتعلق بها من أمور الرزق والأولاد وتدبير شؤون البيت والتفكير في المستقبل والخوف منه، فتجد القلب في وادٍ وصاحبه في وادٍ آخر.

صاحب هذا القلب قد يُكثر من العبادات ولكن لا أثر لهذه العبادات على سلوكياته، لأن المشكلة في وجود انسداد في قناة الاتصال بين عبادات الجوارح وبرمجة القلب، ولأن القلب لم يكن مُهيئًا أصلًا لتحمل هذه العبادات فسقط سقوطًا مُدويًا ليكشف عوار صاحبه.

إن الحل يكمن في إخراج نصيب الدنيا وما يتعلق بها من القلب وإفساح المكان للآخرة لتدخل القلب وتستقر فيه، تفعيل هذه العملية ليس سهلًا بل يحتاج إلى ممارسة عمليات خاصة على القلب حتى يتخلص من نصيب الدنيا ويستقبل الآخرة، وتتلخص هذه العمليات في:

إدراك حقيقة الدنيا وأنها لا قيمة لها ولا تستحق هذا الصراع عليها بالنظر إلى أحوال الناس وتغير شؤونهم من طفولة ونشاط إلى شباب وقوة إلى شيخوخة ومرض تدرك يقينًا أن لا قوة تدوم ولا شباب يدوم وأن المرد في النهاية إلى الله، أن تتأمل جيدًا في تغير أحوال الناس كيف كانوا أصحاء يتمتعون بالعافية ثم داهمهم المرض فصار أحدهم لا يستطيع قضاء حاجته بنفسه، بل المشهد الأعظم أن تتفكر في مشهد النهاية وكيف صار الناس في قبورهم وكيف تحولوا إلى تراب بعدما كان اسمهم ملء السمع والبصر، ثم أن تُقبل على حضور غسل وتكفين موتى لتدرك أن الدنيا كلها تتلخص في هذا المشهد العصيب وكيف أن هذا الميت الذي يستلقي على موضع الغسل لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة ولا يجرؤ أن يمنع من يُغسله عما يفعل، التأمل في هذه المشاهد كلها وغيرها الكثير يُحطم سياج الدنيا حول القلب ويوقظ القلب من غفلته.

هنا وهنا فقط يمكن أن تخوض رمضان بقلب حقيقي خالٍ من عفن الدنيا ودرنها، هنا وهنا فقط يمكن أن تستشعر حلاوة القرآن عند قراءته وأن تتلذذ بالوقوف في قيام الليل طويلًا وأن تستمتع بلذة الجوع والعطش في شدة الحر وأن تحافظ على مستوى عالٍ من اللياقة القلبية فتكون في رمضان كغيره.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد