تكتسب الأفعال مشروعيتها من قدرتها على تحقيق مصلحة متوقعة، التحركات على طاولة الشطرنج السياسي تتبع المصلحة قبل النص، الفقيه لا يخلق واقعـًا في الغالب بقدر ما يفسره لاحقـًا، بل أثبت عصرنا أن هناك ندرة في الفقهاء الذين يتمتعون باللياقة الذهنية الكافية للحاق بالواقع السريع.

– مجموعة من الدراسات والبحوث الممتازة حول فقه التغيير والتظاهر ظهرت بعد الربيع العربي كبحوث الأصولي الرائع الدكتور الريسوني، لكنها كلها ما زالت تتبع “فقه الالتحاق” بمعنى أن يفسر الفقيه مشروعية الحدث بعد وقوعه ورؤية مآلاته. يومًا ما نشأت في ساحتنا الفقهية مجموعة أطلق عليها مجموعة الأرأيتيين من “أرأيت لو حدث كذا فما هو الحكم الفقهي” صحيح أن هذه المدرسة جرى ابتذالها لاحقـًا عبر أسئلة سخيفة، لكنها في بدايتها خلقت وفرة معرفية كبيرة وأسست جيدًا لما قد يصطلح بتسميته “فقه المسقبليات”، لعلنا نحتاج تنشيط مدارس فقهية لهذه الأغراض.

– ترى لو عرض على الفقيه سؤال حول التنازل عن حق الشهداء؟ الإجابة قطعـًا ستكون أن تضييع حقوق العباد جريمة لا تغتفر، لكن ترى لو عرض عليه سيناريوهات ثلاث أو أربع لاسترداد هذه الحقوق، هنا ستكون جودة إجابته من قدرته على التحليل والتقدير السياسي، وستكون كفاءته السياسية داعمًا له كفقيه معتبر أو خصمًا من رصيده، وسيصبح رأيه أقرب للتقدير السياسي منه للفتوى .

– في أداء عبقري تحرك خالد بن الوليد وانتزع جسد جيش المسلمين الجريح في مؤتة من بين فكي الروم، قابله كثيرون في مجتمع المدينة بوصف “الفرار” وخرجت حشود في مظاهرات استقبلتهم للتشهير بفعل خالد وجيشه، إلى أن حسم سيد الخلق الموقف مبتسمًا “بل هم الكرار إن شاء الله” .

ترى لو لم يكن موجودًا “ص”، كيف كان سيتعامل مجتمع المدينة مع الموقف؟ وكيف كان سيحسم الخلاف؟!

هل كان من الممكن أن يرى فريق أن ما حدث تولي من الزحف؟!

هل كان من الممكن ان يفسرها فريق على أن الوهن وحب الدنيا وكراهية الموت تسلل لقلب الجيش فأصابهم ما أصابهم؟!

ترى كيف غير الرسول “ص” وصفهم من الفرار إلى الكرار؟! هل ناقش نواياهم أم خططهم واجتهاداتهم، لما رأى خالد وصحبه أن إنهاء المعركة بالفوز لم يعد ممكنـًا ، وهداه تقديره للموقف على أنها جولة لها ما بعدها، اتخذ قراره بالحفاظ على الجيش وتأجيل المعركة وكان الانسحاب قراره الموفق، (أحب أن تلاحظ أن النقاش يدور حول التقدير الاستراتيجي للمصلحة قبل التقدير الشرعي، فأينما وجدت المصلحة المتوهمة فثمة أجر أو أجرين).

– ترى هل المتقدمون في المعركة هم دومًا أكثر إخلاصًا وثباتـًا؟!

ترى هل المتراجعون خطوات هم دومًا متولون من الزحف؟! أم أن السير عكس التيار العام قد يحتاج إخلاصًا وثباتـًا أقوى في بعض الأحيان، إذ السير عكس التيار قد يبلغك نيران صديقة إلى جانب نيران العدو.

– كل ما عليك التأكد منه مثنى وثلاث ورباع هو قلبك، انظر ما به فإن خيرًا فليس مهما موقعك في المعركة مرضي عنه أم لا متقدم أم متأخر ، وإذا رأيت في قلبك غير ذلك فراجع نفسك وإن كنت في مقدمة الصفوف.

– (في تقديري) إن الحديث حول السكوت عن السيسي وقطيعه فضلًا عن التصالح مع الواقع الدنيء الذى يحاول فرضه، هو طعنة في ظهر هذا – الوطن- ستبقيه مريضًا لسنوات لا يعلم عددها إلا الله. ولقد رفع السفاح وقطعانه ضريبة الوقوف في وجه مخططهم الى حد القتل، ورضيت نفوس نبيلة دفع الضريبة كاملة لما رأت أن التراجع في وجه السفاح سيكلف الوطن ما لا يطيق لسنوات لا يعلم مداها إلا الله، لا يسعنا إلا أن نقبل رأسهم ونشكر صنيعهم .

وندعوا الله بالتوفيق لمن يرى عكس ما نرى بل ونتمنى له النجاح، وسنلتمس لمسلكه فوق السبعين عذرًا فإنا كرماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد